” رحلة كامل التلمساني” .. صورة الفنان في عصره / محمود عبد الشكور

وسط زحام الكتب والإصدارات، يبدو هذا الكتاب الممتع متفردا حقا بجديته، ومنهجه، وبمعلوماته، وبشغف مؤلفه بالبحث وراء رحلة موهبة استثنائية مصرية، جمعت بين الكتابة والرسم والإخراج السينمائي، وأثرت في كل من عرفها، وكانت أيضا جزءا من حياة ثقافية خصبة وطويلة، ولكنها أيضا حياة مليئة بالتقلبات والعواصف، على كل المستويات.
الكتاب بعنوان “رحلة كامل التلمساني ..السريالي في مواجهة الواقعي”، الصادر عن دار الثقافة الجديدة، لمؤلفه الشاعر والفنان التشكيلي والباحث محسن البلاسي، الذي قدم لأول مرة بورتريها شاملا لأنشطة وأفكار وآثار وتحولات هذا المثقف والفنان الكبير كامل التلمساني، وكان منهج البلاسي دائما أن يضع الفنان وسط أفكار وتحولات عصره، سواء في مصر أو في العالم، دون أن يغفل تأثير الموهبة، بل والسمات الشخصية، على مسيرة الفنان الطويلة، وهو منهج صحيح وصائب، ويتطلب سعيا ومشقة وشغفا ودأبا ومتابعة وبحثا طويلا، ورصيد الكتاب من كل ذلك وفير ومميز.
شغلني منذ سنوات اهتماماتي الأول بالسينما اسم كامل التلمسائي، بوصفه مخرج فيلم “السوق السوداء”، الذي يبدو مختلفا تماما عن زمنه، ورغم ملاحظات فنية كثيرة، إلا أنه فيلم هام، كان يمكن أن يؤدي نجاحه الى تيار لسينما مختلفة، ولكن الفيلم، الذي عرض عام 1945، فشل فشل مدويا، بل ويقال إن الجمهور قام بتحطيم إحدى قاعات عرضه، ويبدو أن الناس التي كانت تعاني في واقعها من ظروف السوق السوداء، وغلاء الأحوال، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، لم تتحمل أن تدخل السينما، فتجد فيلما يذكرها بما تعانيه في الواقع.
لكن كان ما يدهشني أكثر اختلاف الفيلم تماما عما قرأت عن كامل التلمساني كأحد مؤسسي جماعة الفن والحرية، وهي الجماعة التي تبنت السريالية ودافعت عنها، بينما “السوق السوداء” أبعد ما يكون عن السريالية، وهو في أفضل الأحوال يمثل بدايات تيار واقعية اجتماعية انتقادية، لا يوجد في الفيلم ما هو سريالي اللهم إلا لو كانت السريالية في تحول كامل التلمساني نفسه الى مدرسة فنية مغايرة، هي نقيض مدرسته السابقة، وكان قد ترك أيضا جماعة الفن والحرية، بعد أن ظل من من أعمدتها مع جورج حنين ورمسيس يونان لفترة ليست بالقصيرة.
كتاب البلاسي يرصد بالتأكيد هذا التناقض، ومؤلف الكتاب، رغم إعجابه بكامل التلمساني، يعترف بتحولات الرجل، ويحاول أن يحلل ويجد تفسيرا لهذا التحول. يرى مثلا إن انحيازات التلمساني للطبقات الفقيرة لم تتغير أبدا طوال حياته، طريقته في التعبير، والفن الذي يتحمس له هما اللذان تغيرا، التلمساني اختار السينما ربما لأنها تصل الى جمهور أكبر، وربما لأنه وجد فيها وسيطا يرضي طموحه الفني بشكل يتيح له التجريب والإكتشاف الفني، فالسينما تتعامل مع مزيج من الفنون، وليس مع الفن التشكيلي فقط، والتلمساني كان يمتلك ثقافة فنية رفيعة ونادرة في مختلف الفنون.
تفسير معقول، ولكن ما يدهشنا فعلا أن التلمساني كان يمكن أن يستمر في الرسم بجانب السينما، ولكن بدا كما لو أنه يغلق صفحة الرسام تماما لصالح صفحة السينمائي، كما أن حماسه للسريالية رسما وتنظيرا كان جارفا، ولذلك من الغريب فعلا أن يتحول عنها بمثل هذه السرعة، كما أنه انسحب من الجماعة التي تتبناها. هناك إذن حلقة مفقودة غير مريحة، وما يحتويه الكتاب من مقالات هامة للغاية للتلمساني، لا تدل على أنه اختار السريالية من قبيل الموضة، وإنما عن وعي وفهم، وإن كان معنيا جدا فيها بفكرة الحرية والخيال، وتجاوز التقاليد الكلاسيكية، أكثر من أي شيء آخر.
لكن الكتاب يستوفي محطات كامل التلمساني (1915/ 1972) بصورة جيدة جدا، هذا الفتى ، الذي تنتمي عائلته الى القليوبية، والذي درس في المدرسة السعيدية، عشق الرسم، وتأثر بأستاذه في المدرسة، وكان هذا الأستاذ فنانا تشكيليا ومثقفا، ومثل كل أبناء جيله، عرف كامل القراءة والكتب، ورغم التحاقه بكلية الطب البيطري، إلا أنه تركها.
كانت مصر وقتها تموج بتيارات ثقافية وفنية، تعكس تمرد الفن والفنان في العالم، وفي أوربا تحديدا، في سنوات ما بين الحربين، ومع ارتباط كامل بأسماء مثل ألبير قصيري وجورج حنين ورمسيس يونان، تشكلت ملامح جماعة تقدم فنا مختلفا، وكان كامل في القلب من نشاط الفن والحرية، ظلت لوحاته تزين مقالات مطبوعاتها، وأشعار وقصص ألبير قصيري، كما أن التلمساني اشترك في معرضين للفن الحر، وكان له معرض للوحاته المدهشة بمفرده، والكتاب تزينه الكثير من تلك اللوحات، مثلما يوثق لمقالات لكامل التلمساني الهامة، التي تدهشنا بأسلوبها وبنائها، مثلما تدهشنا بثوريتها وتمردها، منها مثلا مقال لافت ينتقد فيه استلهام محمود مختار للنحت الفرعوني، ومقال آخر يهاجم فيه اقتباسات عبد الوهاب الموسيقية، كما يقدم الكتاب رسالة كتبها التلمساني بالإنجليزية لصديقه جورج حنين، ورسم فيها امرأة تدعى فهيمة، كانت فيما يبدو عاهرة محترفة، ووجد كامل فيها نموذجا للقهر الإنساني.
لكن هذا المتمرد الثائر، سرعان ما تحول بعد فشل “السوق السوداء”، الى جزء من السينما السائدة والتقليدية التي انتقدها، صار مخرجا عاديا، وإن كانت طاقته العجيبة قد استوعبت أعمالا سينمائية كثيرة، أدهشني مثلا أن أعرف من الكتاب أن كامل التلمساني عمل رساما للوحات الأفلام (ستوري بورد) في أعمال صديقه المخرج أحمد سالم، وكان كامل التلمساني مديرا للإنتاج في أفلام معروفة مثل” الأفوكاتو مديحة” و “دهب” و”إسماعيل ياسين بوليس حربي” و”المراهقات”، وكان أيضا مساعدا للإخراج مع أحمد سالم في “الماضي المجهول”، وكان كاتبا للسيناريو بالطبع، وله كمخرج أفلام معروفة مثل “موعد مع إبليس” والفيلم اللطيف “أنا وحبيبي” بطولة منير مراد، وفيلم “الناس اللي تحت” المأخوذ عن مسرحية نعمان عاشور المعروفة.
أما تأثير التلمساني الفني والثقافي فقد كان كبيرا ومعتبرا، فهو مثلا أستاذ الفنانة إنجي أفلاطون، كان مدرّسها حرفيا للرسم، و شجعها في بدايتها على اكتشاف موهبتها، ودعمها فنيا وثقافيا وسياسيا، وشجعها على الإشتراك بإحدى لوحاتها، وهي ما زالت تحت العشرين، في معرض الفن الحر، جنبا الى جنب مع لوحات كبار الفنانين، كما أن كامل، قد أثر بالتأكيد على اتجاهات شقيقيه الأصغر منه عبد القادر وحسن التلمساني، الأول عمل مساعدا للإخراج مع كامل، ثم أصبح عبد القادرالتلمساني من كبار مخرجي السينما التسجيلية، والثاني (حسن)، كان فنانا تشكيليا، ثم مصورا سينمائيا كبيرا ومعتبرا، وهو مصور الفيلم العظيم “ينابيع الشمس”، ووالد مدير التصوير الكبير طارق التلمساني.
كامل التلمساني كما يقدمه الكتاب كان مؤسسة ثقافية مؤثرة، ولذلك لم يكن غريبا أن يسافر الى بيروت ويستقر فيها، في الغالب هاجر لأسباب سياسية في بداية السيتينيات كما يستنتج البلاسي، وفي لبنان كان مستشارا فنيا للرحبانية وفيروز، وكان وراء أعمالهم السينمائية مع يوسف شاهين وهنري بركات , وكذلك أعمالهم التليفزيونية.
هذا كتاب هام للغاية، يثير حوارات ونقاشات وأسئلة في كل الإتجاهات: بشكل أساسي حول تلك الحركات الثقافية والفنية المصرية، وأقطابها الكبار، وعن ضرورة التوثيق لهذه الذاكرة المنسية، وعن زمن الأحلام وما بقي منه ومنها، كما يفتح الكتاب ، الذي يمتلك قائمة معتبرة بالمراجع وتعريفات ممتازة بالمصطلحات والأشخاص، الباب واسعا لمناقشة تحولات الفنانين والمثقفين، وهو موضوع هام وممتع ومثير.
ولكن شيئا واحدا يرسخه هذا الكتاب ولا أرى خلافا عليه، مهما كان رأيك في مسيرة وتحولات التلمساني، وهو أيضا أمر يجمع عليه كل من عرفه: لقد كان الرجل موهوبا وذكيا، عاشقا للفن، ومؤمنا بقدرة هذا الفن على جعل البشر والحياة أفضل، وقد حاول بقدر ما استطاع لكي يثبت ذلك، منذ البداية وحتى اليوم الأخير.
فسلام على الفن والفنان، وكل التحية لمحسن البلاسي على كتابه وجهده الكبير والمعتبر، الذي يستحق كل التقدير والإهتمام والتأمل والمناقشة، والذي لا يجب أن يمر مرورا عابرا، وسط مواسم الكتب ، وزحام العناوين والإصدارات

.

B.L.C,city _______

كاتب وشاعر وفنان تشكيلي وباحث في علوم النقد الأدبي والفني ومترجم

Submit a comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s