( المؤسسة – كوفيد 39) / رائد سلامة

( المؤسسة – كوفيد 39)

إستيقظا في السادسة صباحًا كما إعتادا منذ أعوام كثيرة توقفا عن حصرها، طَلَبَت منه أن يترك الكمامة لتأخذها لمستوصف الحي علي أن يستعمل الكمامة الأخرى، كان مسموحًا لكل مواطن بكمامتين فقط يرتدي واحدة لمدة أسبوعٍ لا يزيد ليذهب بها بعد ذلك للمستوصف لأجل التنظيف و التعقيم ثم إعادة الإستخدام في الأسبوع الذي يليه، كانوا في المستوصف صارمين جدًا في هذا الأمر للدرجة التي وضعوا بكل كمامة شريحة إلكترونية تُسَجِلُ تلقائيًا ساعات الإستخدام و يفرضون غراماتٍ باهظة علي من يزيد إستخدامه عنها تخصم قيمتها من إجمالي نقاط الدخل، كانت الكمامة مصنوعة من المطاط الرقيق الذي يشبه ذلك النوع الذي كان يُستخدم منذ سنوات بعيدة في صناعة الواقي الذكري و كانت تُغطي كامل الجسم من أعلي الرأس إلي الكعبين آخذة شكل الجسد و ملامح الوَجه بعدما تطور الفيروس فلم يعد ينتقل فقط عن طريق الرذاذ أو النَفَسْ بل صار يتحور و يراوغ فيتوارى قليلًا ثم يعيد الظهور فيُباغِت بعنفوانٍ و يضرب بقسوة فارضًا سيطرته علي الأفراد و الجماعات إلي أن ملأ الأرض و السماء مُنتَقِلًا بلا رقيب في الهواء و الماء، في الشوارع و علي الأَسِرَّة، في الدِيَمِ التي لم تُمطر و في حقول القمح و بَتَلاتِ الزهور، بين صفحات الكتب و في الملابس، أصبحت الحاجةُ مُلِحَة لمزيد من التَحَوط الذي تجاوزَ منافذ الجهاز التنفسي إلي كل مَسَام الجسد فإخترعوا الكمامة الكاملة، ضمرت أعضاء الرجال التناسلية و تحللت مثيلاتها النسائية بِفِعل إرتداء الكمامة الدائم فلم تَعُد صالحة إلا للتبول و أصبَح “التيستوستيرون” و “الاستروجين” من الماضي الذي يدرسه طَلَبَةُ الطِب في تاريخ التطور الإنساني و إن تَمَكَن العلماء من إبقاء قدرة أجهزة الجسد الإنساني علي إنتاج الحيوانات المَنَويَّة و البويضات قائمة، صار الإنجاب إصطناعيًا يتم خارج الأرحام بحسابٍ دقيق. كان يجرى تقدير عدد المواليد المسموح به لكل أسرة بنسبة من صافي نقاط الدخل، هكذا إستفادت برامج تحديد النسل من تطور الفيروس فتَحَقَقَت أهدافٌ كانت من قبيل الأحلام في الماضي، لم تَعُد هناك حاجة للإنفاق الدعائي لتحديد النسل و لم يعد هناك لُقَطاءٌ و لا مِثليون.

تَحَمَمَ بماء مُقَطْرٍ كانا يحصلان علي حصتهما منه وفق جدول المياه التي تقوم “المؤسسة” بتوزيعها علي المواطنين كُلٌ حسب حاجةٍ قَدَّرَها خبراء “المؤسسة” الإكتواريون، لم يكُن مَسموحًا بصرف ما يزيد عن تلك الحصص و لو بِثَمَنٍ زائد فَلَمْ يكن هناك مجال لأي تجاوز. لم تكُن هناك حاجة للمَال علي الإطلاق “فالمؤسسة” تُوَزِعُ كل شيئ قابل للإستهلاك من المياه و الكهرباء و الغذاء و الملابس و وقود السيارات، كما كانت تؤجر المساكن و السيارات للمواطنين و تقوم مستوصفاتها بتعقيم الكمامات كمهمة وحيدة. كان المواطنون يعملون لدى “المؤسسة” التي تمتلك كل شيئ، و كان عَمَلُ المواطن الذي هو إثنا عشر ساعة باليوم -لا تنقص و لا تزيد- يتم تقييمه بعدد من وحدات القياس الخاصة وفقًا لنوع العمل و ندرته و مدى الحاجة إليه ثم يتم بنهاية كل شهر تحويل ما تم تجميعه من تلك الوحدات إلي نقاط كانوا يسمونها إجمالي نقاط الدخل يُستَقطَعُ منها مقابل ما قامت “المؤسسة” بتوزيعه و ما يتبقى من “إجمالي” نقاط الدخل كان يُسَمَّى “صافي” نقاط الدخل و هو ما يُتَخَذُ أساسًا لتحديد عدد المواليد المسموح به. لم يكُن “صافي” دخلهما يسمح “بإنتاج” أي أطفال، لم يُعَانِ أي من المواطنين من ثمة أمراض بالمرة  فقد ساهم التقدم العلمي في علاج كل الأمراض إلا هذا الفيروس. كان المواطنون يموتون جميعًا عند بلوغ الستين حسبما قَرَرت إدارة “المؤسسة” وفقًا لتقديرات الخبراء أو عند ثبوت إصابة أي منهم بالفيروس حيث تُرسل “المؤسسة” طبيبًا يحقن المُصاب بِسُمٍ يُرديهِ مَيتًا علي الفور بلا ألم. كان عَمَلُ الأطباء يقتصر علي مهمتين، إتمام عملية الإنجاب الإصطناعي و قَتلِ مرضى الفيروس التاريخي اللئيم. 

بعدما تَحَمَمَ خرج من منزله فأدارَ مُحَرِك سيارته التي تركها بلا إغلاق ليتم تعقيمها في الخامسة من كُل صباح كشأن سيارات المواطنين جميعًا، لم تَكُن هناك حاجة لإغلاق أي سيارة فلا سرقات تُخشَى، إختَفَت السرقات كما إختفى التيستوسيترون. حين وصل إلي مَكتَبه في تمام السابعة وَجَدَ رسالةً ألكترونية مُوَجَهَة إليه و إلي زوجته تُفيدُهُ بموافقة الإدارة علي زيادة نقاط دَخلِهما لمستوىً يسمح بإنتاج طفلٍ ذَكَرٍ حسبما تقتضي خطة “المؤسسة” و أن طبيبًا سوف يزورهُ في الحادية عشر مساءًا للحصول علي عَينةٍ من حيواناته المنوية و أخري لبويضة من زوجته و كانت نسخة من الرسالة قد أرسلت كذلك لمدير “المؤسسة”. لم يكُن الأمرُ مُفاجِئًا له فقد آن الأوان كما هو مُخَطَطٌ بالضبط. عاد إلي مَنزله في الثامنة مساءًا، أخرجت زوجته من الثلاجة حِصَتَينِ من الطعام تحتويان علي شريحتي لَحمٍ كاملتين حسب جدول الغذاء الذي حَدَدَتهُ “المؤسسة”، أدخلتهما بجهاز الميكروويف لدقائق، تناولا الطعام جالسين أمام شاشة التلفزيون الذي كان يعرض فيلمًا قديمًا بعنوان Countdown ، أغمض كل منهما عيناه بعد إنتهاء الفيلم. في تمام الحادية عشر كان الطبيب يطرق الباب، إستيقَظَا، إستغرق أمر الحصول علي العيْنَات عشر دقائق فقط، بعد خمسين دقيقة من مُغادرة الطبيب للمنزل كانا قد بَلَغَا الستين فغادرا في صَمت.

كولاجات / غادة كمال

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s