فنجان قهوة بطعم الصحو / أيمن مارديني

فنجان قهوة بطعم الصحو
                 

نشر النص في العدد الأول من مجلة الغرفة    

يناير 2020     نص  أيمن مارديني _  سوريا


أخرج من عباءة نومي عارياً من الأحلام مرتدياً صهوة الصحو. أضجر من التفاصيل التي تحوطني. هي متجددة كل يوم، ولا أمل لي بألفة أشتاقها للمكان. سريري ليس هو ما تعودت أن أعانقه كل نومة لي، خزانتي لا تحوي ملابسي التي اشتريتها ذات فراغ جنسي،  رائحة احتلام ما معلقة في سماء الغرفة. أنتشي بأن الشيب لم يعلق على تفاصيل حياتي السرية بعد، ويعاودني الضجر من الصحو ذات يوم، وكل  يوم.
باب الغرفة مغلق، ومعلق على صفحته الخشبية قفل حديدي . أسأل نفسي لأتذكر صوتي :
– باب وقفل … دخول ترى أم خروج من ذلك الباب؟
أرتدي سيجارتي الأولى، وبين الشهيق الأول والزفير أتذكر أنني لا أدخن ذلك النوع من الذكريات …… لا ألفة تأتي من السيجارة التي تعودت .
أسعل سعلتي الأولى أم لا ؟
أتناول دوائي أم أنسى مرغماً نفسي على أني لم أكبر سنة أخرى، وبحاجة إلى تلك الحبة اللعينة التي تلازمني.
جيد …… أول مشاعر الألفة تأتي إلي من الدواء… شكراً لك أيها الطبيب اللعين … جعلت مني عبداً للعمر الذي مضى.
هي الرشفة الأولى من القهوة ما ستعيد إلي الحلم الجميل في الصحو.
رائحتها، ملمس حباتها الدقيقة تحت لساني، زغب النكهة وحس الفقدان لثديها ما يجعل من حلمي أكثر واقعية. أرتشفها بهدوء، وأحلم بصحوة هنيئة بين دفء نهدها البكر دائماً.
أطلبها مرة أخرى، وأحتسيها بهدوء تعودته أنا، وأحبته هي.
ترى ثديها هو اليقظة أم الحلم؟
صوت جاري يأتي إلي واضحاً  وهو يعنف زوجته و يشكو غلاء الحبة الزرقاء. تصرخ في وجهه، وتقول له : وأنا أيضاً مازلت على تهديدي لك، إما تلك الحبة، أو سأعود إلى مشاهدة الأفلام الإباحية، أو أتلصص على ابن الجيران.
ويعود الصمت إلى الجدار بيني وبينهما، لربما ذهب إلى صديق ليقترض منه حبة لحين ميسرة.  
أفتح النافذة لأصطدم بالمشهد الخارجي. ذاتها الأبنية التي أعرف، نفسه هواء مدينتي المكتوم، الأشجار العارية من الأغصان والأوراق، ولا ترتدي سوى الجفاف. إحداهن واقفة في الشرفة على يميني.
تراني أطل  وتطل هي علي؟
تخرج لي لسانها بدلال أنثوي، وإغراء مكشوف.
من هي؟
ترى هل زارتني في الاحتلام، أو أتت إلى بابي ذات يوم،  تطلب مني إصلاح الكهرباء التي انقطعت لديها، وكاذبة كانت؟
أبادلها الابتسامة، وأقول لنفسي: جميلة كانت في صباها، لربما تعاني الآن من قلة الأصدقاء وهجرة الأبناء لها بعد وفاة زوجها.
أفتح النافذة مرة أخرى لعل المشهد يتبدل، أو يتذكر تفصيلاً له نسيه المرة الماضية. ذاتها الأبنية التي كانت في المشهد الأول، نفسه الهواء للمدينة الجاف، هي الأشجار مازالت واقفة على عريها، و المرأة  مازالت على شبقها المصطنع،  ولكن شيئاً ما ينقصه المشهد هذه المرة؟
تفصيل ما غادره. ناقص هو كماله عما رأيته أولاً.
ما هو؟
أسأل، أضجر.
السماء … أجل … السماء غير موجودة في المشهد، غادرته، ذهبت عنه، ولا يوجد أزرقها الذي أشمه كل حلم، وبياض سحبها الذي يغطي سواد شعري.
أأغلق النافذة، أم أفتحها مرة أخرى؟
أنظر إلى الغرفة، وأرى سقفها سماءاً لها قمر، وشمس، ونجوم، وسحب، ومطر على وشك السقوط في الغرفة.  قطرة تلمس خدي تعلن بدء الهطول. أركض إلى كتبي، وهاتفي المحمول، وجهاز الحاسوب أخبئهم في خزانتي. أرتدي معطفي، وأرفع مظلتي المطرية فوق رأسي، وأنتظر المطر. قطرة أخرى أمسحها بإبهامي وأنظر إليها، أجدها زرقاء اللون.  قطرة ثالثة ورابعة وخامسة، وتبدأ السماء، سماء غرفتي تهطل أزرقها علي . أعمدة سائلة من الأزرق للسماء يهطل بغزارة. مطر يغرقني، يحوطني كقضبان سجن أقف خلفه، والسماء تفقد أزرقها ببطء، ورويداً رويداً، وبسهولة و يسر، ليرتدي اللون الأزرق كل التفاصيل لليقظة.
جميل هو الأزرق كما كان في السماء، أم هو آثار كدمات عشق آفل مر على الروح والبدن أيضاً، و ليس لون جسد البح؟
أخرج من بيتي، من حلمي، من الأزرق، وإلى اليقظة أسير ككل يوم .عمل روتيني أقوم به كل يوم. أذهب إلى مكتبي في اليقظة، أمارس عملي، أقبض راتبي كل أول شهر، وأعود إلى غرفتي الوحيدة في بيتي الوحيد لأستلقي على سريري الوحيد لأرتدي نومي.
أصحو على حلمي، وهو يحاول أن يدعوني إلى يقظة أخرى. يلكز كتفي، يحاول إيقاظي، وأتغافل أنني في النوم مازلت. ليصرخ حلمي بي:
– هيا .. قم .
أفتح عيني، أراه واقفاً يرمقني و يبتسم لي، وأسمعه يقول بصوته البعيد دائماً:
ومازال في الحلم متسع لك، للوقت والذكرى والنشدان التوق الشوق والعشق الوله السقم، وأسماء أخرى لم يأت بها أحد من قبل لما يعتمر الحلم .
أنا الحلم لك … خذني متى شئت، ولكن لا تدعني دونه … لا تتركني وحدي دونه.
انظر إليه، وأعود إلى ارتباك اليقظة.
        _    أيمن مارديني_

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s