مسرح القسوة / بيان /آنتونان آرتو / ترجمة : محمد عيد إبراهيم

مسرح القسوة 

(بيان)

نص: آنتونان آرتو

ترجمة: محمد عيد إبراهيم

نشر النص في العددةالأول من مجلة الغرفة

يناير 2020ة

أتعرفون شيئاً خَرائياً أشدّ انتهاكاً 

من حكايةِ الربّ 

وكائنهِ: الشيطان، 

غَشيةُ القلبِ 

الخِنزيرةُ البشِعةُ  

للعالمِ الخادعِ 

بضُروعها السَيّالةِ 

التي لا تكتمُ عنّا   

غيرَ  العدَم؟ 

إزاءَ هذه الفكرةِ عن عالمٍ سابقِ التكوينِ، 

لم يُوفّق الإنسانُ قطّ وحتى الآنَ في تكوينِ رِفعتهِ عبرَ  إمبراطورياتِ المحتَمل. 

وحيثُ لا شيءَ هناكَ 

فلا شيءَ هناكَ، 

عدا هذهِ الفكرةِ الخَرائيةِ 

عن كائنٍ خلَقَ على المثالِ الوحوشَ. 

ومن أينَ هَلّت الوحوشُ 

في تلكَ الحالةِ؟ 

من حقيقةِ أن العالمَ بمدركاتهِ الحسّيةِ 

ليسَ على منبَسَطهِ، 

ولا إلى هدفهِ، 

من حقيقةِ أنهُ ثمةَ حياةٌ نفسيةٌ 

وما مِن حياةٍ عضويةٍ حقاً، 

من حقيقةِ أن الفكرةَ المبسَّطةَ عن حياةٍ عضويةٍ نقيةٍ 

قد نقِيمُها، 

من حقيقةِ أن ثمةَ فارقاً 

قد ينشأُ بينَ 

حياةٍ عضويةٍ نقيةٍ بصورةٍ جنينيةٍ 

وحياةٍ تكامليةٍ تعاطُفيةٍ ملموسةٍ 

للجسدِ الإنسانيّ.

الحياةُ البشريةُ بطاريةٌ كهربيةٌ 

تفريغُها قد خُصِيَ واستكانَ، 

قدراتُها وتوكيداتُها 

قد وضِعَت إزاءَ الحياةِ الجنسيةِ 

وهي التي رُكّبَت 

على نحوٍ  دقيقٍ لتمتصّ 

بانزياحاتٍ “فولتيةٍ” كهربيةٍ 

كلّ ما هو  متاحٌ شاردٌ 

عن لا نهائيةِ الفراغِ، 

عن مُجوّفاتِ الفراغِ 

التي تزدادُ وبهيئةٍ لا تُقاسُ 

عن المحتَمَلِ العضويّ غيرِ  المستوفَى أبداً. 

الجسدُ الإنسانيّ في حاجةٍ لأن يأكلَ، 

لكن ماذا يُختَبر  أكثرَ  على منبسَطِ الحياةِ الجنسيةِ، أهوَ  القدراتُ التي لا تُقاسُ للنزعاتِ الغريزيةِ؟ 

مما يجعلُ التشريحَ البشريّ يرقصُ في النهايةِ، 

من أعلى لأسفلَ ومن أسفلَ لأعلى، 

من الخلفِ للأمامِ 

ومن الأمامِ للخلفِ، 

بل الأكثرُ  من الخلفِ للخلفِ، 

وهو  أكثرُ  من الخلفِ للأمامِ، 

أما معضلةُ تخَلخُلِ 

الموادّ الغذائيةِ 

فلن تعودَ في حاجةٍ إلى حَلٍّ، 

حيثُ لن تعودَ ثمةَ عِلّةً،

حتى، لنستثيرَها. 

لقد خُلقَ الجسدُ الإنسانيّ ليأكلَ، 

خُلقَ ليشربَ، 

كي يتفادَى أنهُ 

خُلقَ ليرقصَ. 

لقد خُلقَ ليزني بكلّ خفيٍّ 

كي يتفادَى أن

يضطهدَ بل يعدمَ 

حياتَه الخفيةَ. 

لأجلِ ما لا 

يستحقّ الإعدامَ 

كما قيلَ كثيراً عنهُ أنهُ “الحياةُ الخفيةُ”.  

وهو  ما يثبتُ أن الربّ وكائنَه 

فكّرا في الفَرارِ  من الإنسانِ المعتوهِ، 

هناكَ، على ذلكَ المنبَسَطِ الغائبِ المتزايدِ من الحياةِ الخفيةِ 

حينَ أرادَ الربّ أن يخلقَ الإنسانَ فظَنّ 

أن الأشياءَ قد تُرى وتُمَسّ روحياً، 

معَ أنه لا شيءَ موجودٌ وحقيقيٌّ، 

غيرَ  حياةٍ واقعيةٍ خارجيةٍ، 

وذلكَ الذي فَرّ  منهُ مبتعداً عنهُ 

لَهوَ  مجرّدُ جحيمٍ من عالمٍ كلّهُ شياطينُ. 

وحينَ أرادَ الربّ أن يخلقَ الإنسانَ ظنّ أنهُ واقعياً عالمُ الشياطينِ. 

لكن عالمَ الشياطينِ غائبٌ. 

لن يصادفَ أيّ يقينٍ. 

والسبيلُ الأمثلُ كي يُشفَى منه

بل يدمّرَه 

أن يستكملَ عُمرانَ الحقيقةِ. 

فالحقيقةُ لم تكتمل، 

لم تُعَمّر  بعد. 

باستكمالها نعتمدُ 

في عالمِ الحياةِ الأبديةِ 

على استعادةِ الصحّةِ الأبديةِ. 

مسرحُ القسوةِ 

ليسَ رمزيةً للفراغِ الغائبِ، 

هو  العَجزُ  المروّعُ عن إدراكِ ذاتهِ في الحياةِ البشريةِ. 

هو  توكيدُ 

الضرورةِ المفزعةِ 

فضلاً عن أنها حتميةٌ. 

على المنحدراتِ التي لم نزُرها

في القوقازِ ، 

الكارباتِ، 

الهيمالايا، 

الإبينين، 

قد نتواصلُ يومياً، 

ليلاً  ونهاراً، 

سنواتٍ وسنوات، 

شعائرُ  جسديةٌ مروّعةٌ 

حيثُ الحياةُ السوداءُ، 

الحياةُ المكبوحةُ أبداً الحياةُ السوداءُ 

تمنحُ ذاتها الوجباتِ المروّعةَ المُبغَضَةَ. 

هنالك، الأوصالُ والأعضاءُ التي تُعدّ ذميمةً 

لأنها

ذميمةٌ على الدوامِ، 

منسَاقةٌ للوراءِ

خارجَ مطامعِ الحياةِ الغنائيةِ الخارجيةِ، 

تُستَغلّ في كافّةِ هذيانِ الإيروسيةِ مطلَقةِ العَنانِ، 

وسطَ التفريغِ، 

العذراءُ

تزدادُ افتتاناً، 

الخمرُ 

تتأبّى طبيعتُها التصنيفَ دائماً 

فهي موجودةٌ واقعياً على نحوٍ  متزايدٍ. 

(ليسَت المسألةُ بخاصّةٍ عن عضو  الجنسِ أو  الإستِ 

خاصّةً وأنهُ يجب قطعهُ والتخلّصُ منه، 

بل عن أعلى الفخِذَين،  

الوِركَين، 

العانةِ، 

البطنِ عديمِ الجنسِ قاطبةً  

عن السُرّة). 

وهذا كلّهُ جنسيٌّ وفاحش 

فلا يُحتَمل منه أن يعملَ ويُحرَثَ 

بعيداً عن الفُحشِ 

كما ليسَ للأجسادِ التي ترقصُ هناكَ 

أن تنفصلَ عن الفاحشِ، 

فهي تتبنّى في تعاطُفٍ حياةَ الفُحشِ

معَ أنهُ علينا أن ندمّرَ 

رقصةَ هذهِ الأجسادِ الفاحشةِ 

ونُبدِلَها برقصةِ 

أجسادنا. 

لقد جُنِنتُ 

وأصابني الكَزّازُ

سنواتٍ 

من رقصةِ العالمِ المروّعِ حَصرياً 

بالجراثيمِ الجِنسوية

التي تعرّفتُ عليها

في حياتي ضمنَ فضاءاتٍ محدّدةٍ مكبوحةٍ 

برجالٍ، ونساءٍ، 

بأطفالِ الحياةِ العصريةِ. 

لقد عِشتُ في عذابٍ لا نهائيٍّ من نقوشِ الإكزيما التي لا تُحتَملُ 

حيثُ فاضَ قيحُ الحياةِ الإيروسيةِ 

بحُمقٍ كاملٍ. 

ليسَ ثمةَ حاجةٌ للبحثِ في أيّ مكانٍ إلا بتلك الرقصاتِ الطُقوسيةِ السُودِ 

وهي أصلُ الإكزيما قاطبةً، 

القَوباءِ قاطبةً، 

أنماطِ السلّ، 

الأوبئةِ كافّةً، 

الطواعينَ كافّةً 

بدواءِ 

الكَيّ الحديثِ، 

المتزايدِ إعاقةً، 

ما يثبتُ أننا عاجزونَ عن إنجازِ  شيءٍ. 

وأُجبِرَ  إحساسي على السقوطِ، 

عشرَ  سنواتٍ، 

بخطواتٍ من الناووسِ الأشدّ وحشيةً، 

من عالمِ الموتَى غيرِ  المنجَزِ  بعدُ 

وعالمِ الأحياءِ الذي اختيرَ 

(ولدى النقطةِ حيثُ نكونُ، فهي مَعبَرُ  الرذيلةِ)، 

قد اختيرَ  لنعيشَ أمواتاً. 

لكني تفادَيتُ ببساطةٍ أن أمرضَ 

ومعي 

عالمٌ كاملٌ من كلّ ما أعرفُ. 

عن الأفعَى ليسَ ثمةَ

فقد سَمَحتم للكائناتِ الحيةِ أن تُخمِدَ ألْسُنها

على ألْسُنِ الكائناتِ الحيةِ 

أن تُقطَعَ 

لدى الخروجِ من أنفاقِ الجسدِ. 

ثمةَ طاعونٌ، 

كوليرا، 

جُدَرِيّ

فقط لأنَ الرقصةَ 

ومن ثَمّ المسرحَ 

لم يبدأ بعدُ حتى نخرجَ. 

وأيّ طبيبٍ ننشُدهُ لمثلِ هذهِ الأجسادِ المقنّنةِ من البؤسِ الحاليّ 

ليفحصَ واقعياً الكوليرا؟ 

بالتنصّت إلى أنفاسِ المريضِ أو  نبضهِ، 

ليُعِيرَنا أُذناً، إزاءَ معسكراتِ اعتقالِ هذهِ الأجسادِ المقنّنةِ من البؤسِ، 

بضربِ القدمَين، الساقَين، وأعضاءِ الجنسِ 

في مجالٍ واسعٍ مكبوحٍ

بجراثيمَ محدّدةٍ مفزعةٍ 

وهي

أجسادُ البشرِ  الأخرى. 

أينَ هم؟

بالطابَقِ الأرضيّ أم في أغوارِ 

مقابرَ  معروفةٍ 

إن لم تكن بأماكنَ لا متوقّعةٍ 

تاريخياً 

إن لم تكن جغرافياً. 

هنالكَ، يواعدُ الأحياءُ 

الموتَى 

وثمةَ لوحاتٌ عن “رقصاتٍ مروّعة”

ليسَ لها مصدرٌ  آخرُ. 

ويُعزَى إلى هذا الجَيَشانِ 

التقاءُ عالمَين فريدَين موصوفَين بشكلٍ متزايدٍ 

ندِينُ بهِ للوحاتِ العصورِ الوسطى، 

علاوةً على أن اللوحاتِ 

كلّها تاريخٌ، 

وقد أقولُ 

كلّها جغرافيا. 

الأرضُ موصوفةٌ مُصوَّرة

بأثرٍ  من رقصةٍ مفزعةٍ 

حتى أن ثمارها كافّةً 

لم تُوهَب بعدُ على رَصَدٍ وبائيٍّ. 

ما بعد النصّ

حيثُ هناكَ ما وراءَ الطبيعةِ،

الصوفيةُ، 

الجدليّاتُ المطوّلاتُ، 

أسمعُ قَولونَ 

جوعي الهائلَ 

وهو  يتضَوّرُ 

وتحتَ وَقعٍ من نبضاتِ حياتهِ الكئيبةِ 

أُملي على يدَيّ

رقصتَها،

على قدَمَيّ

أو  ذراعَيّ.

المسرحُ ورقصةُ الأغنيةِ 

مسرحُ التمرّداتِ المحتدّةِ 

من بؤسِ الجسدِ الإنسانيّ 

وهو  يواجهُ معضلاتٍ ليسَ لنا إدراكُها 

أو  أن سلبياتِها 

خادِعةٌ، 

مراوِغةٌ، 

مبهَمةٌ،

بطبيعةٍ مشَوّشةٍ 

تبزّها. 

فترقصُ 

في مجاميعَ 

مجدبةٍ إلى ما لا نهاية

معَ أنها عضويةٌ؛ 

تُستجلَبُ لتزويدنا

بالواقي الأسودِ 

من انزياحاتِ الخمرِ الداخليةِ؛ 

عالَمُ اليرَقاتِ اللافِقَريةِ

ليلٌ لا نهائيٌّ 

لحشراتٍ بلا جدوَى تفرّ  منقَطِعةً: 

القَملُ، 

البراغيثُ،

البَقّ، 

البعوضُ،

العناكبُ، 

تخطُر  فحَسبُ

لأن الجسدَ اليوميّ 

مِن أثرِ  الجوعِ 

قد فقدَ

التحامَهُ الأوّليّ

كما يفقدُ، على فوراتٍ، في الجبالِ،

الجماعاتِ، 

النظرياتِ اللانهائيةِ 

أبخرةً سُوداً لاذعةً

من هَياجِ 

طاقتهِ. 

ما بعد النصّ

مَن أنا؟

مَن أينَ أتيتُ؟

أنا آنتونان آرتو

وما إن أقولُ هذا

كما أعرفُ أن أقولَهُ 

سترى

للتوّ  جسمي الحاليّ 

يطيرُ  مُفتّتاً 

وتحتَ عشرةِ آلافِ

جانبٍ سيءِ الطالعِ 

يحتشدُ 

جسمٌ جديدٌ 

ولن يكونَ بمقدوركَ 

أن 

تُنكرَني. 

ترجمة: محمد عيد إبراهيم 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s