عبد القادر الجنابي / خمس قصائد / ترجمة د. يوسف حنا

خمس قصائد 1974-1986

*تمت كتابة جميع القصائد باللغة الإنجليزية *

ترجمة: د. يوسف حنا 

يوسف ححنا / شاعر ومترجم فلسطيني

يريد التاريخُ دوماً أَن يُحيلَني إِليك

أندريه بريتون

By : cristina botta

تمَّ إِهداءُ هذه السطور خصيصاً 

لقُطّاع الطرق في المدينةِ العاصفة

أندريه بريتون،

**********************

النوافذُ مُشرَّعةٌ

وستائرُها تليقُ بعينيك.

من تحتِ غطاء فكرةٍ غير مُطَبَّقة

أَراك تَتأَبَّطُين حلماً 

ينحني بين يديك

يُحلِّقُ طائرُ الفينيقِ المُلطخُ بضبابٍ أَشقرَ

ويَمنحُك نظرةً قاسية

لأنَّك وسيمٌة مثلُ “بجعة مناضلة”

يغوصُ لسانُها في حُلوق أَعدائي.

في ابتسامتِك دلالاتُ اللهيبِ

وبصيرتُك تجعلُ 

الحضاراتِ تذوبُ في الأَجرامِ السماويَّة

والشوارعَ أَن تتكدّسَ في جثتٍ مُتحركة

والزهورَ أَن تنزفَ من زوايا الهواءِ الأَربع.

لن تجدَ طائراً فضولياً لتقويسِ الخشب

ليس للقدامى شأناً ذا أَهمية.

لصقل وتلميع دعوتهم الرصينة

عجنوا أَلْسِنةَ الأَرقِ الأُفقي

إنهم كلاب الكهنةِ المركوبة

الإبرةُ المُميتة رمزٌ لفالوسهم

لا بدَّ لي أَن أَقولَ 

 يجبُ عليك أَن تنسكبَين على الورقةِ

حاملةً هديرَ الكَرَب

وأن تدفعَ بها لغرفِ نومِ رؤآهم.

لكنَّكَ لا تأتي إليّ أَبداً بما يعرفون.

لأني أَراك فراشةَ حطبٍ مُشتعل

مخترقاً شلالاتِ المعرفة

مياهً جاريةً مُتَّقدة 

تشبهُ في عمقِها شكلاً من مكان آخر

مجالاً أبيقوريّاً محفوراً على حجرٍ من لحم

مع أَصابعَ يمكن وضعها في مقارنة 

مع تشنجاتٍ داخلية لأصواتٍ متفاوتة

عندها، أَرى أنك “تلمسُين فقط لُبَّ الأَشياء”

واهتزازاتٍ مكسوّةً بالطحلب

كهبوطِ ليلٍ صافٍ

وأَرى أَطرافَ أَصابع قدمٍ في نومي الأَرِق.

أَنت “تُمسكُين بأطرافِ الخيط”

وأَنا ما زلتُ أَرى طفولةً فضوليَّة

أَقوى من الموت

تنسجُ رمالاً غيرَ مرئيَّة

مزروعةً في شواطئ المرايا الأَرقة

حيث إيماءاتِ العصيان

تُغني تناسُخَها

القصيدةُ كيانٌ

وتاريخٌ – قفيرٌ من السخرية – ليس بعجلةٍ من أَمره

لنرى تلك المدينة الصاخبة

محجوزةً 

لأَجل ينابيعك.

الوقتُ ما قبلَ نزهةٍ في سريري

أَتذكرُ أَشياءَ وأَنا شارد الذهن.

كُرسيي ينبحُ من تحتي 

ضحالةٌ من المرحِ تَذكُرُ معصمي

وعاصفةُ البَرَدِ عاليةُ المستوى تتصدَّرُ عناوينَ لا أَحد.

أَنا نمرُ اللغاتِ

أَتأَمَّلُ في دُغْلٍ من القواميس

أتجوَّلُ في اليأسِ 

رأَيتُ الفتاةَ الشقراءَ بثوبِ نومِها المصنوع من الأَرق

تنتهكُ طَفْرةَ الضَّحِك

لم أحصل على أَيِّ شيءٍ من خبزها بالزنجبيل

الذي ذابَ مثلُ الهُلام

في فمِ البدوي حيث وُلِدتُ

تجربةُ الليلةِ الماضية.

كنتُ مُصاباً بالكَربِ

انتقلتُ إلى الهاوية 

آملاً أن أَصدُمَ الأُمَّة.

هرعتُ نحو الشارع

لم يكن لديَّ سكين

لكن قبل أن تتمكن من لفظِ كلمةِ سكين

قمتُ بسلخِ الوقتَ 

نازعاً لحمَه وعِظامَه

لأَصنعَ منها

بربريَّاً مليئاً بالصرخات الحماسيَّة

لا مثيل لها في إيقاع نظرةٍ في الشرك

ولا في طمسِ ابتسامةٍ عابرة.

أَطلقتُ سراحَهُ وهو يحومُ فوقَ الجبال

حيثُ تَنْسَلُّ الأَحلامُ في كلِّ مكان

مُشَعِّباً اهتياجَ الأَنا.

ثمَّ عند العودة

لم يقدر العثورَ على الطريق

وَيقعُ في إحباطٍ عميقٍ

ليدخنَ آخرَ كعكةٍ من أَواصرِه.

عدتُ على أَعقابي من حيث أَتيت

نهضتُ عدَّةَ مراتٍ

دون أَن أَرى مخرجاً للأَمر

غططتُ في النوم

مستيقظاً بإِلحاحٍ لأَجله

كان يتقيأُ جسدَه

في إناءٍ من ظلام

وقال لي 

   “ستجد هنا ما تبحث عنه”

ثمَّ اختفى

********************************************

يوم الاحتفال بطفولتي

حين تتكئُ الشمسُ على مدى كَتِفِ الليل

حين يتجرَّعُ الناسُ تذكاراتِهم 

ويتوارون في صنبور

حين تندلعُ صرخةُ سحابةٍ مجروحةٍ لتُدَوّي المدينة

حين تتعثَّرُ العُزلةُ بين يديّ

حين تتسربُ قهقهةُ الرّائي من بابي

حين يبتلعُ الفمُ الكلماتِ بكأسٍ من ضباب

حين يُلقي الحلمُ بالمحيطِ في الفوضى

حين يطوفُ ضحكي يائساً قُربَ طاولتِكَ

حين يسدُّ البصرُ الفراغَ بمتاهة

حين يسقطُ المَلَلُ ليتلاشى

وتبدأُ اللحظةُ رحلتَها في منطقةٍ سرمديَّة

سوف أَغوصُ هناك

جالباً إياك إلى هنا

وأُوازنُ طفولتي مع غيابك

مثل ضوءٍ أَجْرَد

على مسافةٍ من جليد.

جولاج: الجنابي

مُحاكاة

إلى لاديسلاف غوديرنا (*)

هل الصورةُ تأكل 

هل الكلمةُ تشرب

هل الفرشاةُ نفسها تفكر.

على بنانِ الأصابع

ظِلٌّ، نهرٌ 

والرطوبةُ قادرةٌ على نفح الحياةِ

في الأَشياء.

اكسب المالَ لا الحبَّ

يقول الشعار 

ينمو الزيتُ ويرتفعُ

في مرعى الأَفكار 

مُخترقاً القشرةَ

ليطرفَ نظره خلسةً على غيرِ المُداسِ.

الصورةُ لا تأكل

الكلمةُ لا تشرب

لكنهم ما زالوا يتوقون إلى رجلٍ

أَدركه الليلُ على الطريق

وفي لُبّ عينيه 

وقار، شعر 

وجدولٌ متدفقٌ من غضب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لاديسلاف غوديرنا (1921-1999) رسام سوريالي ولد في نيترا، الآن في غرب سلوفاكيا، أصبح عضواً في مجموعة ال  38 للروّاد الطلائعيين وهي مجموعة سوريالية سلوفاكية، إذ أنه يُعتبر أحد مؤسسي السوريالية الفنية السلوفاكية. كان رساماً وفناناً جرافيكيّاً ، كما برع في تقنية الكولاج.

الجنابي

بيلدونغ)1)

تحية إلى )2)

G. E. Von Grunebaum 

هنا نصيبي من الرمل:

روحٌ أُرجوانيَّة 

وُلِدتْ في الصحراء

لجأَتْ واستظلََّتْ في خيمة

أَزالوا غُرْلتي (3)

أَظهروا لي أَسلافي الوثنيين

بقايا من صورٍ ذهنية خلابة دون إعتاق

علموني ماهية الشجاعة

ما هو الحِبر

منحوني الكتابَ المقدس

وأَتاحوا لي السرقة في ليالِ العصورالوسطى

لأُثبِّتَ القمرَ في مواجهةِ الشمس

وأَستنبطَ الحلولَ

في زمنٍ تحطمتْ فيه أيامُ العقلِ

أَحضَروا لي جَمَلاً

-جبل النبيّ-

أَرسلوني للعمل وسطَ الحُطام

مرايا مُتشظية للغير

على أَمل أن أكون مُنسجماً مع بلاغة ذاك الخطاب 

وقبل أن أغطَّ في النوم

أَوصوني ألّا أَحلم بالكمال 

إِنَّه مُتخلفٌ عن الرَّكْبِ

أَخبروني 

أَن الاضمحلالَ يعمُّ في الوقت الحاضر

واضمحلالٌ في الغدِ أيضاً 

كلُّ شيءٍ آيلٌ للانهيار

يبقى الغبار سيّد كلّ شيء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.بيلدونغ Beldung: يشير بيلدونغ إلى التقليد الألماني في التربية والتثقيف الذاتيين، حيث ترتبط الفلسفة والتعليم بطريقة تشير إلى عملية النضج الشخصي والثقافي.

2. غوستاف إدموند فون غرونيباوم كان مؤرخًا نمساويًا ومستعربًا. ولد جرونيباوم في فيينا وحصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة فيينا عام 1931 مع أطروحة في الشعر العربي الكلاسيكي.

3. الغُرْلة: جلدة الذكر التي تُقطع في الختان.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s