حول جثة نازفة / ياسر جمعة

(حول جثّة نازفة  _  ياسر جمعة _ مصر )

نشرت في العدد الأول من مجلة الغرفة

يناير ٢٠٢٠

 
تخيَّلوا، قلتها ووقفتُ، تطلَّعوا نحوي هم الأربعة فواصلتُ: تخيَّلوا هذا، كلماتٌ.. كلماتٌ كثيرةٌ تتطايرُ حولي، فوقي، تتبعُني أينما تحرّكتُ، بعضها يتوهُ في الفراغ الأبيض نهارًا، تتلاشى، أو تتداخلُ في بعضِها البعض ليلًا، وما يتبقَّى منها مستقلِّاً ومنيرًا كنَجمٍ ضاوٍ، يكون معلَّقّاً فيها إنسانٌ، رجلٌ أو امرأةٌ، يظلُّ يحاولً أنْ يتسلَّقَ كلمتَه، المحلِّقة، وهو يصرخُ مرعوبًا، لا ترجمةً واضحة لصراخِهم، لا لغةً، هي محضُ استغاثاتٍ مضغمةٍ، بأصواتٍ ناصعةٍ لم تلوِّنْها بعد الحروف، فقط عندما يكتشف أحدهم الآخر، عبر نظرةٍ خاطفةٍ، يعقبُها خفقةٌ وليدةٌ، تجعله ينتبه لذاتِه.. ينتبهُ للآخر، فتتكاثرُ سريعًا وتخلق المعاني، وينسى رُعبَه، متخلِّياً عن كلمتِه، ويأخذُه الاهتمامُ بمحاولة إنقاذ صاحب النظرة، الآخر، خالق المعاني، ويفكِّرُ أنْ يقفزَ نحوَه، دونَ أنْ يعلمَ أنَّ الآخرَ يفكّرُ، هو أيضًا، في القفزِ نحوَه، وهكذا، كما في الحكايةِ الأولى، يسقطُ كلُّ اثنين، لينقذَ كلٌّ منهما الآخرَ من رُعبه القديم.

  قال”ياسر جمعة” معقِّبًا: هراء.
وبعد نظرةٍ ساخرةٍ شمَلَنا بها: وربَّما يكتشفُ الإنسانُ، بعد تيه ووهم البحثِ الطويل، أنَّ نصفَه الآخر ما هو إلا شجرةً كانَ قد استظلَّ بظلِّها يومًا، مثلًا، أو طائرًا صنعَهُ هو بيدَيهِ من طين الأرض عندما كان طفلًا، وربَّما يبقى هكذا دون أنْ يكتشفَ شيئًا قط، ويموت حمارًا.
وقام، دخلَ المطبخَ، ثمّ عادَ وهو يحملُ سكِّينًا، جلسَ كما كان.. واضعًا ساقًا فوق أخرى، وفي هدوء.. في هدوءٍ تامٍ، ذبح وريد عنقه وهو يبتسمُ ساخرًا.

  ضحك” بورخيس” عاليًا، كأنه لم يزعجْه ما حدث، كأنه غير مهتمٍّ بتوتُّرنا الذي سجنَنا في أماكنِنا، وقال وهو ينظرُ في عيوننا كمن ارتدَّ إليه بصرُه: نعم نحنُ نصنعُ أساطيرَنا وأشياءَنا، نصنعُ حتّى أوهامَنا خوفًا من الرُّعب الحقيقيِّ، خوفًا من النسيانِ، هذا الذي يجعلنا نحتال كي نبقى، ولو قليلًا، حتَّى ولو في ذاكرةٍ هشَّة.
وواصلَ الضحك.

  كانت دماء صديقِنا”ياسر” قد سالتْ ورسمتْ على أرض الغرفة، بيننا، شجرةً كثيفةَ الأغصانِ، وقفَ”إليساندرو باريكو” على أحد أغصانِها، وقال وهو يؤرجحُ ذراعَيه لئلَّا يقع: راقتْني جدًا هذه الفكرة، ماذا لو كان فعلاً نصفُك الآخر شجرةً، أو حيوانًا، أو بحرًا؟!
ماذا لو كان عليكَ صنع نصفك الآخر؟
وماذا لو كان عليك أن تخلق أنتَ نفسك؟
وراح يقفزُ من غصنٍ إلى غصنٍ، وهو يدندنُ، سعيدًا، بلحنٍ إيطالي.

  قامتْ صديقتي مبتسمةً بعد أنْ كانت تهمُّ بقول شيء، تخفَّفتْ من بعض ثيابها وجذبتْني، فقمتُ، وكذلك جذبتْ بورخيس الذي عاودَهُ العمى مرَّةً أخرى من يده، وأخذْنَا نتقافزُ راقصِين على الغصون الدَّامية، ونحنُ نردِّدُ لحنَ باريكو بأفواهِنا، ونضحكُ في مرحٍ حقيقي، كأنَّنا قد سقطنا الآن من الكلمات المُحلِّقة، والمضيئة، فوقَ رؤوسنِا، لنمارسَ فقط فرَحَنا الجامحَ، هذا، حولَ جثَّةِ صديقِنا النازفة.


ياسر جمعة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s