الحد الأدنى / المحلل النفسي فيليب بوريه يطوف في خيال المدينة / محسن البلاسي

 

(الحد الأدنى )

المحلل النفسي فيليب بوريه يطوف في خيال المدينة . 

_________

تأتي الرغبة في الخلق الإبداعي من مزيج نفسي يشكله خليط من امتدادات رغبات اللعب الطفولية مع الرغبات المتنامية داخل النفس الخالقة لتغير الوجود بشتى أشكاله الاجتماعية والنفسية الخ الخ مع شلالات الرغبات الكامنة خلف جدار اللاوعي  . 

الفنان / الأديب  هو شخص نجح في ترويض العصاب الكامن داخله وتحالفا معا ليخلقا كيانا ثالثا يسمى بالعمل الإبداعي ، واختيار المبدع دائما لموضوع عمله يأتي بشكل ما  تحقيقا لرغبات الطفولة الغير محققة . 

يأتي فيليب بوريه في مجمل اعماله ليستكمل المسار الفرويدي وما جاء بعده فيما يخص الحفر داخل البئر الذي يفجر الإبداع داخل النفس الخالقة  ، وأين سيصب هذا الماء المتفجر . 

أربع سنوات من الحفر الفكري والفلسفي والحوارات الانشطارية التي أجراها المحلل النفسي والفنان والشاعر الفرنسي فيليب بوريه مع الشاعر الكبير فيرنر لامبرسي حول ماهية  الكتابة قادته عبر  مزيج من سبل المحلل النفسي البارع والكاتب والشاعر الشرس  لينسج شبكة عنكبوتية فلسفية داخل كتابه (الحد الأدنى )إصدار دار نشر :  

“La rumeur libre Éditions”

يعد الكتاب استكمالا لمسار بدأه فيليب بوريه منذ عام ٢٠١١ اتخذ شكل مقابلات وحوارات أجراها فيليب بوجهة نظر محلل نفسي  مع كتاب وشعراء مرموقين وتم نشر تلك الحوارات في مجلات التحليل النفسي الفرنسية والأوروبية وفي عام ٢٠١٥ نشر فيىلب بوريه كتاب بعنوان  

 “الكتابة إنها تعيش “

وهو مجلد يجمع عشرة  حوارات طويلة  مع مفكرين وكتاب وشعراء ، مثل دانييل ساليناف ، وبينو جاكو ، وفرانسوا ريجنول ، وماريا دي ميديروس ،و  جريشكا بوجدانوف.

يستفز  كتاب  ” الحد الأدنى ” السؤال المعتاد :

كيف  تصل الكتابة للمتلقي  على حسب 

           وجوده في العالم  

ثم 

يذهب فيليب بوريه أبعد من ذلك   

ويطرح سؤالا متشعبا  يدور حول فعل الخلق في مجمله  سواء كان أدبيا أو تشكيليا أو موسيقيا أو مسرحيا .

البداية كانت في مارس عام ٢٠١٦ حين التقى فيليب بوريه مع الشاعر فرنر  لامبيرسي ذو الشعر الأبيض ولحية البطريرك كما يصفه ، ومن هنا بدأت الصداقة التي ستتحول إلى حوار طويل وشاسع أنتج هذا الكتاب . 

يصف فيليب بوريه الشاعر فرنر لامبيرسي بأنه 

“صوت جسد يعاني من الولادة “.

هذا الحوار بينهما  يمثل  العمود الفقري الذي تتشعب منه شعيرات  تحوي أسرار اكتشافات اللغة وما ينتج عن تلك الإكتشافات من معرفة جديدة تنشأ حيث أن المعرفة قد تم تطويرها وأن معرفة أخرى غير معروفة تنشأ عبر انخطافات اللغة واكتشافاتها هناك في هذه النقطة اللا نهائية من الكلام حيث يحدث صمت الشاعر والفنان فيأتي فيليب بوريه كمحلل نفسي ليصيغ هذا الصمت ككتلة من اللحم الفلسفي داخل بحر من الأوراق التي تجدد جسدها باستمرار ويرسم حوافا للسفينة التي تحمل السؤال : 

ما هي الكتابة ؟ 

ما هو الفعل الإبداعي داخل النفس الخلاقة وخارجها ؟ 

من أين يأتي وأين يذهب . 

يقول فيليب بوريه عن لقاؤه الأول بفرنر لامبرسي : 

(اعتمد هذا الاجتماع الأول على المعرفة المفترضة. . منذ المناقشات الأولى ، علمت أنه إذا وافق ، فلن نتوقف عند هذا الحد. قابلت ذلك اليوم ليس فقط رجل غير عادي ، جسد ناطق ، يحمل خطابًا جاء لالتقاط فضول طفولي  للمعرفة ، لمعرفة المزيد ، ولكن أيضًا هذا اليوم علمت أن هذا الشخص  سيصبح صديقًا. )

ويضيف : 

(علمت على الفور أنه مع وجود فرنر 

كان هناك شيء من هذا القبيل قيد التنفيذ ، كل شيء يبحر.

لقد أحضر اثنين أو ثلاثة من كتبه التي أعطاني إياها ، مع التعليقات التي كشف عنها في كل منها. كلمات بسيطة وروح لا تصدق. من هناك بدأت أقرأها بانتظام وبصوت منخفض ، لأتعلم لغة الآخر ، في جميع حالات الحياة – في المقهى ، على مكتبي ، في المساء على كرسي بذراعين ، في قطار الأنفاق ، في غرف الانتظار ، حتى أثناء المشي – لأنني التقيت في هذا اليوم من شهر مارس 2016 شاعر الحياة اليومية. )

ويستكمل فيليب بوريه حديثه : 

( لقد أصبحت محادثاتنا الطويلة ضرورية ، وفي أحد الأيام ألقى لي هذه الجملة: “كيف أعرف من يتحدث عني عندما أتحدث وأنت تستمع لي؟” تبع ذلك صمتا طويلا. أعتقد أنه من هناك فهمت قوة ما دفعني ليس فقط لمقابلته بانتظام ، ولكن  لكتابة هذه الحوارات الطويلة التي كانت ستصبح – لكنني لم أكن أعرف بعد – كتاب : 

 ” الحد الأدنى ” ) . 

لغة فرنر لامبيرسي  التي تفيض بالحيوات الطفولية العائمة على الألغاز العفوية  هي التي شقت الوادي الذي أغرى فيليب بوريه لإنجاز هذا الكتاب المهم  ،تهرب لغة فرنر لامبرسي من أي تعريف نقدي مسبق ، يقول فرنر : “نحن لسنا بحاجة إلى الكذب ، فالكلمات تفعل ذلك من أجلنا” وأصدقه في هذا حين يقتبس دائما من بورخيس  أن “الكتابة تعني دائمًا الكذب”

وبعد طوافي داخل أنشطة وإنتاج فيليب بوريه كان لزاما علي ان اتوجه له بالسؤال التالي 

هل تكمل حواراتك ، التي بدأتها  في عام 2011 ، مسار الاكتشاف الفرويدي لطبيعة فعل الخلق الإبداعي  وعلاقته مع النفس الخالقة  ام انك   تخلق مسارًا جديدًا يوضح الرابط بين الخلق الفني والتحليل النفسي؟

فاجاب واستفاض : 

أنا لا أنوي خلق مسار جديد في التحليل النفسي.

توجهي هو في صميم عمل فرويد وهو الأقرب إلى تعاليم الدكتور لاكان. ما هو مختلف في مقاربتي هو أن هذه  النصوص وهذا الادبيات ، آخذهما حرفياً ،  وأخضعهم لتجربتي كمحلل نفسي  ،  وكائن ناطق. أقدم جسدي الناطق لتجربة الكلمة ، إلى مادتها ، إلى طباعتها ، إلى قوتها. للفنانين والكتاب والشعراء ، سوف أزورهم ، أتحرك ، أتوجه إليهم ، وأستجوبهم لأنني أفترض أنهم يعرفون. هذا ما أسميه “التحليل النفسي المتوسع” ، نهج محلل نفسي في المدينة ، محلل نفسي ليس حارسا على المعبد ، ولكنني مهرب للمعرفة.

بدأ زخمي من ثلاثة اقتباسات – يمكننا العثور على الإقتباسات الاخرى ، لكن هذا الإقتباس يخصني  وهو سبب رغبتي – التي  تتحداني :

عندما قال فرويد عام 1907 أن الشعراء والروائيين “يشربون من مصادر لم يوفرها العلم بعد”

أخيرًا ، عندما قام لاكان بتكريم مارجريت دوراس في عام 1965 ، يجب أن تسمعوا كلماته “الميزة الوحيدة التي يحق للمحلل النفسي أن يستمدها من منصبه ، تم الاعتراف بها على هذا النحو ، هي أن” نتذكر مع فرويد ” أن  الفنان  دائمًا يسبق هذا المجال وبالتالي ليس من الضروري أن يقوم بدور  الطبيب النفسي ، حيث يريه الفنان الطريق. “استمع إليهم وضعهم في اختبار التجربة.

كما ترون ، أنا لا أخترع أي شيء ، أنا لا أخلق مسارًا جديدًا للتحليل النفسي ، أنا فقط طالب ، محارب لديه رغبة محددة ، ويعتقد أن التحليل النفسي لا يمكن إدراكه إلا من خلال الخبرة والتجربة . في هذه الحالة بالذات ، اذهب  لأرى على الفور ، أي  استوديو لفنان ، في كتابته ، ما هو عليه بخطابه وما هي المعرفة التي يمكن أن يجلبها للتحليل النفسي ، والتي لا يعرفها التحليل النفسي.

، لابد أنني كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري ، عبرت باب ما نسميه في المنزل “ورشة العمل”. في ذلك اليوم – اكتشفته ما في اليوم التالي ، أثناء تحليلي – لقد تجاوزت العتبة من خلال القيام بعمل يحدد حياتي كلها. عن طريق اتخاذ خطوة ، دون عودة. أصبحت ، منذ تلك اللحظة ، متعلم مدى الحياة. من خلال تجاوز هذه العتبة ، دخلت عالم وطريق الفن  والتحليل  .

لأنه في ورشة العمل هذه ، لم أكن وحدي ، في ورشة العمل هذه كان هناك بالفعل هناك  الآخر عندما دخلت ، كان والدي. مفهوم الأب الذي  تعلمت  الإستغناء عنه في السنوات التي تلت ذلك ، بشرط استخدامه. من تعلم الطفل إلى التحليل ، كانت هناك مراحل أخرى لن أصفها هنا. لكن الدلالة  ​​الثانية تتغذى من الأولى إلى نقطة التكثيف. 

الدخول إلى مكتب المحلل هو أيضًا مفترق طرق ، ودخول استوديو الرسام  هو مفترق طرق،  والجلوس على طاولة كتابة لروائي أو شاعر هو عبور  . بعد ذلك ، ليس كما كان من قبل ، لقد تم  تجاوز العتبة ويستحيل العودة إذا كنت لا ترغب في الاستسلام لرغبتك. منذ عام 2011 ، لا أعتقد أنني استسلمت لرغبتي في المعرفة ، لفضولي. 

يطول حديث فيليب بوريه ولنا حديث آخر بخصوصه لكن كل ما أتمناه من الناشرون العرب هو الإلتفات لأعمال المحلل النفسي والناقد والفنان والشاعر فيليب بوريه لانها ستحدث تاثيرا جذريا فيما يخص رؤيتنا للخيال بشكل عام. 

واكرر لنا حديث آخر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s