ضحكـوا فى المقابر وتظاهروا من أجل الفقراء../ صلاح فائق عن كتاب السريالية في مصر / سمير غريب

ضحكـوا فى المقابر وتظاهروا من أجل الفقراء..

صلاح فائق “مجلة الدستور – لندن 6/7/1987”

***

كتاب الأستاذ المصرى سمير غريب “السريالية فى مصر” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، هو بداية متميزة قد تكون لأبحاث مقبلة جادة لدراسة واحدة من أهم الحركات الثورية فى مجالات كثيرة، وسياسية وأدبية وتاريخية التى شهدتها مصر الثلاثينيات والأربعينيات والتى امتد تأثيرها ليظهر كتيارات عند الشعراء والكتاب والرسامين فى سوريا فى نهاية الأربعينيات وفى لبنان من خلال مساهمات حركة مجلة شعر وفى العراق منذ أواسط الستينات لتظهر بقوة فى باريس من جديد فى السبعينيات. الكتاب يشير إلى هذه الامتدادات باختصار لكنه يركز أبحاثه الوثائقية على نشوء هذه الحركة فى مصر كجزء من حركة عالمية وكتعبير عن استجابة عدد كبيرمن الفنانين والشعراء والكتاب لاتجاه عالمى، فكرى وأدبى تفاعل مع ظرف مصر الاجتماعى الثقافى آنذاك.

يبدو أن هذا الكتاب كما ينوه الكاتب، كان جزءا من كتاب أشمل عن الحركة السريالية العالمية، سوف ينشره الكاتب فى المستقبل. وبدلا من تخصيص صفحات لشرح معنى السريالية وجوهرها فى شكل مباشر، ترك الكاتب فصول الكتاب، تعتمد الوثائق أساسا، لتقوم بهذه المهمة.

يلاحظ الكاتب أننا لا نجد فى المكتبة العربية كتابا واحدا، شاملا، يشرح الحركة السريالية العالمية ويسرد تاريخها، وهذا على الرغم من مرور أكثر من ستين سنة على كتابة البيان السريالى الأول من قبل أندريه بروتون. صدر كتاب فى سورية فى نهاية الأربعينيات يشتمل على مجموعة لوحات لفاتح المدرس وقصائد لعلى الناصر وأورخان ميسر لكنه ليس كتابا سرياليا بالمعنى الذى نعرفه الآن. وصدرت ترجمة لصلاح برمدا البيانات السريالية وكتاب كميل قيصر داغر من لبنان عن أندريه بريتون إلا أنهما كما يرى الكاتب سمير غريب جزئيان فى تناولهما. وهناك مقالات تنشر بين وقت وآخر فى صحف ومجلات عربية أو بين فصول كتب مترجمة تتحدث عن مدارس الفن الحديث، وهذه كلها تتناول السريالية بشكل سريع، مسطح خاطئ فى التحليل والمعلومات وحتى فى ترجمة المصطلحات.

كانت السريالية، عالميا، ثورة على الكلاسيكية وسجن الواقعية الكئيب، شاركت بدورها فى تغيير هذا الواقع وشكلت سلما ضخما صعدت عليه الثقافة الأوربية فى تطورها الحالى، مثلما شاركت السريالية المصرية فى تطور الفن التشكيلى الحديث والحركة السياسية والاجتماعية وإن جابهتهما عقبات ضخمة تتناسب مع تراث الثقافة المصرية المحمل بقيود عصر الانحطاط المملوكى والعثمانى فى التأثير على باقى فروع الثقافة المصرية، مثلما جابهتها عقبات ذاتية.

فى مصر الثلاثينات وفى ذروة نشاط الحركة السريالية فيه وقف ضدها كثيرون ممن هددت الحركة كيانهم ومصالحهم. ويشير الكاتب إلا أن بعض الجمعيات قامت آنذاك بحملات متعددة ضد مجلة الحركة الرئيسية “التطور”حتى أن إحداها رفعت إلى مجلس الوزراء تقرير يشير إلى خطورة الدعوة التى تنادى بها المجلة وإلى إنها تعمل على نشر الإباحية وهدم الفضيلة والدين وتقويض أركان النظامين الاجتماعى والدستورى. سارعت “التطور” إلى الرد على هذا التشويه موضحة إنها تدافع على حقوق الأفراد وتطالب بتحسين حالة الطبقات العاملة مصدر الثروة وتدافع عن حرية المراة وحقها فى المساواة مثلما تدافع عن حرية الفكر بما فيها حرية الاعتقاد الدينى.

فى مقدمة كتابه، يشير الأستاذ سمير غريب إلى أن أغلب المراجع السريالية المهمة غير مترجمة إلى العربية. كتب أندريه بروتون، وهى بالعشرات لم يترجم أى منها إلى العربية كتب أراغون فيليب سوبول، ايلوار، أرتو أى مئات القصائد والنصوص الأدبية والفكرية غير مترجمة بعد. أما عن الحاضر فإن هناك مئات الكتب التى صدرت وتصدر بلغات العالم تبحث فى السريالية و لاندرى عنها شيئا كما لا نعرف شيئا عن نشاط الجماعات السريالية الجديدة فى بقاع عديدة من العالم وهناك مراكز أبحاث خاصة بالسريالية فى جامعة السوربون، ومراكز أبحاث أخرى فى عواصم عالمية أخرى تعقد ندوات وتصدر مجلات عن السريالية.

مع وثائق هذا الكتاب ومن خلالها يقول الكاتب إن مصر فى الثلاثينيات والأربعينيات كانت أكثر تحررا فكريا ونشاطا ثقافيا مما عليه الآن فى الثمانينيات. كانت مصر جزءا من الحيوية الثقافية العالمية. إذ كان كبار كتاب وفنانى العالم يحرصون على زيارتها وكانت تربط بعضهم علاقات مع كبار كتاب مصر وفنانيها كانت مصر تموج بحركات ثقافيا حية من اتجاهات مختلفة منها حركة الفن والحرية كجزء من الحركات السريالية العالمية فى نهاية عصرها الذهبى كان بين هذه الجماعات تنافس بناء، فبينما كان المتمردون والمجددون يتجمعون فى جماعات تقدمية مثل جماعة “الفن والحرية” كان المحافظون والكلاسيكيون من الفنانين التشكليين يتجمعون فى “صالون القاهرة” وبينما كانت مجلة “انيفور” تنشر رسائل من الشاعر الفرنسى بول فاليرى إلى جماعة “المحاولين” كان طه حسين ينشر فى مجلة الكاتب المصرى رسائل من أندريه جيد مثلما كان جورج حنين ينشر رسائل أندريه بريتون إلى السرياليين المصريين.

يقارن سمير غريب ذلك النشاط الثقافى فى مصر آنذاك مع ما هو حاصل فى مصر منذ سنوات وهو الوضع الثقافى الخائب الذى”نعيش فيه حاليا”حسب تعبيره والذى كما يقول، سودنا الآف الصفحات فى النواح عليه. وضع كهذا يحتاج لنقده وتجاوزه إلى إعادة سرد بعض جوانب التاريخ القريب.ولم يجد الكاتب، لتحقيق هدفه هذا إلا أن يكتب هذا الكتاب الوثائقى عن جماعة “الفن والحرية” أى عن الحركة السريالية فى مصر.

القسم الرئيسى من كتاب الأستاذ سمير غريب مكرس لسرد السيرة الشخصية والأدبية مصريا وعالميا لعدد من السرياليين المصريين الأساسيين: جورج حنين، رمسيس يونان، فؤاد كامل، كامل التلمسانى، إضافة إلى معلومات واسعة عن عدد من الفنانين الأجانب الذين كانوا يقيمون فى مصر آنذاك ونشطوا من خلال المعارض والفعاليات الثقافية والسياسية والأدبية الأخرى ضمن الحركة السريالية المصرية: اريك دى نيمشى، ريمون ابنر، حزقيال باروخ، السيدة بن بهمان، لوران، مارسيل ساليناس، ايمى نمر، توباليان، هاسيا، وأسماء أخرى. وهذه لأن جماعة (الفن والحرية) لم تفرق بين مصريين وأجانب أو متمصرين، ولا بين مسلمين ومسيحيين ويهود. كان الأساس فى الانتماء لها هو الانتماء إلى روحها وأفكارها، إنها جماعة عالمية المنظور.

معظم كتابات جورج حنين كانت بالفرنسية. وبرز خصوصا فى الشعر، النقد والقصة القصيرة.. بينما أظهر رمسيس يونان، منذ البداية، اهتمامه بالرسم والنقد الأدبى كما فؤاد كامل وكامل التلمسانى.

التحق جورج حنين بجامعة السربون فى باريس وحصل منها على ثلاث شهادات “ليسانس” فى الحقوق والأدب والتاريخ حتى عام 1939 خلال تلك الفترة كان يتردد على القاهرة ويشارك فى بعض الأنشطة الثقافية. أما رمسيس يونان فقد دخل عام 1929 مدرسة الفنون الجميلة فى القاهرة إلا إنه اضطر إلى تركها عام 1933 تحت ظروف صعبة ليبدأ العمل فى تدريس الرسم فى المدارس الثانوية فى مدن طنطا وبورسعيد والزقازيق حتى عام 1941.

انضم جورج حنين إلى جماعة “المحاولين” قبل التحاقه بالسربون. كانت تصدر مجلة شهرية باللغة الفرنسية اسمها “انيفور” وقد تحدث جورج حنين فى إحدى ندوات هذه الجماعة عام 1937 عن الشاعر المستقبلى الإيطالى مارينيتى وأدان بقوة تواطؤ الشعراء والأمبريالية الإيطالية فى الأعمال الأدبية الفاشية. بدأ جورج نشر مقالاته الأولى فى “انيفور” منذ ديسمبر عام 1933، وفى 1935 نشر فيها بيانه “من اللاواقعية” وفيه يتضح كم كان قريبا من السريالية وحيث تتضح مقدرته على الكتابة الآلية، التى تعتمد على تدفق اللاوعى، وفى عام 1936 نشر مقالته “السريالية فى الميزان” لتكون أول مقالة مفصلة للمصريين.كتبها بالفرنسية ونشرها فى مجلة “الشرق”.

منذ نهاية 1935 يبدأ جورج حنين مراسلاته مع أندريه بروتون، وفى عام 1936 يلتقيان فى باريس ويكون اللقاء بداية صداقة بينهما حافلة بالنشاط الفكرى والثقافى إلى نهاية الأربعينيات ويستمر نشاط جورج حنين فى باريس والقاهرة من خلال عدد كبير من المعارض، الكتابة فى مجلات سريالية طبع كراسات وأعمال أدبية المشاركة فى أنشطة سياسية معارضة وقد أسفرت مجلة “التطور” التى صدر عددها الأول فى يناير/كانون الثانى عام 1940 وهى مجلة الحركة السريالية فى المصرية، عن انتمائها السياسى حين أكدت على إيمان السرياليين بالتطور الدائم والتغيير المستمر، مقاومة الأساطير وقيم الاستغلال، العمل على تغيير المجتمع المصرى والدعوة إلى حركة فكرية جديدة من أجل ذلك ويستمر اصدار المجلة حتى عددها السابع حين تطلق “التطور” صيحتها الأخيرة: “تضامنت عوامل الرجعية والاستغلال على قتل هذه الصحيفة لأنها تحارب الرجعية وتثور على الاستغلال”. بعد “التطور” شارك السرياليون المصريون فى تحرير “المجلة الجديدة” التى كان يصدرها سلامة موسى منذ عام 1928 معبرة عن الفكر التقدمى. ومنذ عام 1940 حتى نهاية 1947 أقامت المجموعة خمسة معارض فنية اشترك فيهال السرياليون المصريون مع عدد كبير من السرياليين الأجانب.

ليس من السهل فى هذا العرض الموجز الإحاطة بهذا الكتاب الذى أخذ من وقت المؤلف سنوات طويلة من العمل المثابر والمخلص. إذ يخصص الكتاب صفحات طويلة لسرد أحداث، أعمال أدبية وفنية وعلاقات مع المجموعات السريالية الأخرى فى العالم أقامتها السريالية المصرية من خلال أبرز ممثليها وأخصهم بالذكر جورج حنين، ورمسيس يونان، وكامل التلمسانى وغيرهم. ولم يكن نشاطهم فى مجال الترجمة أقل إبداعا، فقد أصدر رمسيس يونان عددا من الأعمال المترجمة لكامو، مالرو، رامبو، إضافة إلى كتبه النقدية.

بعد سفر جورج حنين ورمسيس يونان إلى باريس بعد الحرب العالمية الثانية دخلا، مع غيرهم من السرياليين المصريين، فى نشاطات سريالية فرنسية ومع سرياليين من بلدان أوربية أخرى. لكن فى صيف عام 1947 كتب جورج حنين مع الكسندريان وباستورو إعلان “قطع افتتاحى” ردا على انشقاق عدد من السرياليين الشبان الذى انشقوا على بريتون وانضموا إلى الحزب الشيوعى الفرنسى وكونوا مجموعة “السرياليين الثوريين”.

فى صيف عام 1948 إزدادت خيبة جورج حنين ورمسيس يونان بسبب خلاف جماعة باريس حول بعض المجلات السريالية وقع جورج حنين نشرة “الكوة” التى كتبت بايعاز من بنجامان بيريه العائد من مكسيكو لكن انتقادات البعض فى انجلترا ضد مجلة (نيون) كدرت جورج حنين، وأظهر ردود فعله على النشاط الجماعى للحركة فى خطاب إلى أندريه بريتون يعلن فيه خروجه من الحركة فى 26 يوليو / تموز 1948.

سوء تفاهم آخر بين المصريين والفرنسيين كان سببه مشاركة السرياليين فى بيع لوحات لصالح إنشاء دولة إسرائيل فى مايو /آيار 1948 من جهة أخرى أصبحت السريالية منظمة كهنوتيه تتم فيها المعرفة على درجات- كما يقول ألكسندريان – الذى تركها بعد ذلك والذى يرى أيضا أن انفصال جورج عن لا يشك فى انتمائه للحركة وإنما يعنى أن شخصيته تحددت بنضجه ويرفض رمسيس يونان التوقيع على بيان جماعى للسرياليين الفرنسيين، ويخرج نهائيا على جماعة باريس واعتبر أن الوقوف يقود إلى التقهقر، وكان متفقا مع جورج حنين على ضرورة تجاوز ما تم انجازه لذلك عاد جورج حنين إلى القاهرة على أمل تأسيس مجلة “ستنسريون” مع منير حافظ لتكون “نقدا للسرياليين من الداخل” لكن هذه المجلة لم تظهر.

يتضمن القسم الثانى من كتاب “السريالية فى مصر” مجموعة من مقالات كامل التلمسانى حول معارض عدد من السرياليين المصريين والأجانب. وهناك أيضا عدد من مقالات جورج حنين عن رمسيس يونان وسعد الخادم والتلمسانى. وفى القسم الأخير من الكتاب نقرأ عددا كبيرا من وثائق الحركة السريالية المصرية إضافة إلى عدد من الرسائل المتبادلة، ويختم الكتاب فصوله بنشر مجموعة من قصائد جورج حنين، مترجمة إلى العربية، وكانت قد نشرت فى عام 1940 فى مجلة “التطور” وأعيد نشرها فى عام 1981 من قبل الحركة السريالية العربية فى باريس.

تجدر الإشارة أيضا إلى مصادر هذا الكتاب، فى نهايته، مما يجعل مهمة الباحثين فى المستقبل أقل مشقة فى توسيع تفاصيل هذه الدراسة عن واحدة من أهم الحركات السريالية فى العالم، ونعنى بها الحركة السريالية المصرية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s