جماعة المحاولين / محسن البلاسي /الجذر الأول في شجرة السريالية المصرية

جذور  السريالية المصرية

“جماعة المحاولين “

مجموعة الفن والحرية السريالية

يعود تأسيس جماعة المحاوليين  إلى عام 1928  على يد مجموعة من المثقفين  الاجانب والقليل من المصريين  أبرزهم  جون ليفي وألبرت سالتيل وحين سافرا   أدارها وتزعمها جابريل بقطر 1910 _1970 الصحفي والناقد الفني والأدبي الذي رأس تحرير مجلة آن أيفور المعبرة عن الجماعة . كما رأس تحرير مجلة الصورة التي كانت تصدر عن دار الهلال باللغة الفرنسية كل أسبوعين  .

جابريل بقطر

كانت جماعة المحاولين جماعة  ثقافية فرانكفونية كانت هي الأنشط والأكثر احتكاكا بالتيارات الفكرية الطليعية في  أوروبا وكانت الجماعة تصدر مجلة

 ( آن أيفور )

يمكنك تحميل أعداد المجلة من قسم المكتبة في الموقع /وثائق السريالية المصرية

كانت المجلة بمثابة

منبر فكري للجماعة  تصدر كل شهر وأحيانا كانت تصدر بشكل غير منتظم  وقد شارك في هذا المجلة أبرز المثقفين الفرانكفونيين في مصر . كما كانت الجماعة تنظم محاضرات وندوات مستمرة شارك فيها مثقفين أوروبيين بارزين كانوا ممثلين لتيارات أدبية  طليعية في أوروبا وكانت هي التربة الأولية التي نشأت فيها الحركة السريالية المصرية .

ففي 9 أكتوبر 1927 ، التقى عشرة أشخاص في معهد بيرجرون في حي  مصر الجديدة  كان ابرزهم جون ليفي والبرت سالتيل  حيث كان ذلك اللقاء هو البداية الحقيقية   لتأسيس جماعة المحاولين  . في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات  كانت الفرنسية هي اللغة السائدة للمعارض الفنية والأدبية والإجتماعية الخاصة بالنخبة الثقافية  في القاهرة  حيث كانت اللغة الرسمية لجماعة المحاولين ايضا .  وتركز  النشاط الأولي للجماعة في حي مصر الجديدة في القاهرة  حيث يمثل هذا الحي  هوية ثقافية مختلفة .  كان حيا معزولا عن بقية المدينة ويمثل  ضاحية غنية ، تضم العديد من الأجانب ، من الشرق والغرب على حد سواء بناه الأوروبيون في بداية القرن العشرين  ، حيث استقرت السلطات الاستعمارية ونخبتها فيه . و بالتالي أصبح حيا للغربيين. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك: إنه حي  يعكس رؤية الشرق التي يتخيلها الغربيون. حيث تجد  مباني لها طراز ممزوج ما بين الشرقي والغربي   بشرفات خشبية داكنة اللون وتراسات واسعة .

 بدأت الجماعة تصدر مجلة آن أيفور وكانت مواد المجلة معبرة عن نظرة غربية للشرق 

تعبر عن علاقة اعضاء المجموعة والمشاركين في كتابة مواد المجلة مع الفضاء الشرقي الذي يتطورون فيه ،  كانت  علاقة  تشبه النظرة  الغربية لشرق  ألف ليلة وليلة وشرق  المناظر الطبيعية الجميلة ، وشرق الأرابيسك .

فعلى سبيل المثال نجد تقريرا على صفحات المجلة من لجنة السيدات في جمعية الموسيقى المصرية ، مكرس للموسيقى المصرية ، حيث تناول التقرير غناء  أم كلثوم :

(هذا الشكل من الموسيقى ، الذي يختلف عن ذلك الذي اعتادت عليه الآذان الغربية ، ربما يمثل  حيرة لبعض الناس ، وربما يزعج أولئك الذين لا يستطيعون حب أي شيء جديد لهم. ولكن من المؤكد أن الجمهور كان مهتمًا تمامًا بهذا الحدث ، فقد كان ممتنًا لمنظميه والفنانين  الذين قدموا آدائهم  بحماس كبير  )

ومثال آخر على هذه النظرة الغربية للشرق فنجد  قطعة  سردية  ، نُشرت في مجلة

( آن أيفور ) في عدد 15 يوليو 1930 ،  والتي حملت  توقيع  أ. بيليلوس جاء نصها كالتالي :

(عند جلوسي في ترام في خط الجيزة ، كنت محاطا  بالسكان الأصليين. يملأ النساء السود الملائكة الخطوط الغريبة مع الجالبية الفضفاضة للرجال. معظمهم من باعة الخضار العائدين إلى حقولهم ، وملابس ملوثة بالطين والأيدي المتسخة. ينظرون بصمت إلى المشهد الرتيب ،
دخل شاب عربة القطار علينا  . تكشف جلابية  واسعة ملامح المراهق الوسيم ، والوجه المنتظم ، والمظهر المثير للدهشة. يحمل في يده “ربابة” ، آلة موسيقية وترية ، شكلها يذكر بوعاء الحساء. إنه بدوي ، أحد أولئك الرجال الذين يكسبون عيشهم من خلال غناء أعمال  أبو زيد الهلالي  العظيمة والأبطال العرب الآخرين ؛ إنهم يتخلّلون جملهم بتكرار متكرر  على نفس اللحن المتمثل في اثنين أو ثلاثة من المقاطع  الرتيبة )

ومنذ عام  1931  بدأت الجماعة تغير مسارها و تخصص عددا أكبر من المقالات في مجلة آن أيفور  عن مصر والشرق والعالم العربي في مجالات متنوعة مثل التاريخ والثقافة والقانون والاقتصاد. وكثيرا ما قدمت المجلة تقارير عن الرحلات التي قام بها كتاب المقالات في مصر في  قصص تلعب فيها المناظر الطبيعية الخلابة دورا محوريا.

وبدأت تدور النقاشات  على صفحات المجلة  حول الشرق وعلاقته بالغرب أولاً من خلال  الخلاف حول الموسيقى ، ثم  امتدت النقاشات  تدريجياً  إلى أشكال فنية أخرى ، ولا سيما إلى الأدب. ثم أعلنت  المجلة عن تأسيس جمعية كتاب مصر للتعبير الفرنسي ، والتي ترحب بالأعضاء وكتب روبرت بلوم  عن الجمعية    :  («سيتم تبادل الأفكار ، ستجري المناقشات ،  سيولد النور الذي  يجب أن يسمح بظهور المواهب وتهدف الجمعية إلى إعطاء صورة أجنبية أكثر فأكثر لمصر  فما هو على المحك هنا هو “صورة مصر” في الخارج ، رابطة كتاب مصر للتعبير الفرنسي تدعي صورة “حقيقية” ، وبالتالي تعارض الصورة الخيالية أو التخيلية التي بناها الغرب. )

 و منذ عام  1931 ،بدأت مجلة آن أيفور بمنح مكانًا مهمًا للكتاب المصريين الذين  يكتبون باللغة الفرنسية بالإضافة لآخرون أجانب ، ومن  أبرزهم إليان جيه ، والشاعر والناقد المصري أحمد راسم ، والشاعر الإيطالي  جان موسكاتيلي و  إيمي خير سيدة المجتمع السورية التي  كانت تقيم في القاهرة وأسست صالونا أدبيا  هي وزوجها  ونظمت العديد من الندوات والأمسيات . كذلك كانت تلقي  المحاضرات في الندوات في  الدائرة الكاثوليكية للشباب السوري حول  مواضيع مثل “زنوبيا ، ملكة تدمر ، وجوليا  الإمبراطورة الرومانية” وكان لها مقالات عديدة في صحف مصرية تصدر بالفرنسية .
بالإضافة لجين آركاش. 

وبمرور عامين وفي عام 1933 أخذ الإهتمام  المتزايد بالشرق ومصر تحديدا يزداد ويتطور  على صفحات المجلة  وفي   يناير 1933،  نشر عدد من 95 صفحة

 ” تحية لمصر “. تكون العدد  من ثلاثة أقسام: الأول يقترح تعريفًا للروح المصرية )4 نصوص) ، بينما يجمع الثاني نصوصًا أدبية عن مصر (15 نصًا )،  ومختلفة للغاية عن بعضها البعض ، وآخر يهدف إلى عرض تقدم مصر في مجالات الفن أو الاقتصاد أو الصناعة (6 نصوص). كما أن النص النهائي لجرانت ألكساندر يظهر   مصر على أنها “أرض متنوعة”. .

كان هناك اتجاه داخل المجلة  لرد مصر إلى تراثها اليوناني و الروماني ، لإظهار حداثتها للغرب ، وفي نهاية عام 1933  بدأت جماعة المحاولين ومجلة آن أيفور بالإنفتاح على الفنانين والكتاب المصريين ، وبشكل متزايد ، الرسامين والنحاتين و مع وصول مؤلفين جدد من بينهم جوزيف حبشي ، الذي كان يكتب تحت الاسم المستعار جو فارنا ، وانضمام جورج حنين. بدأت تحدث  طفرة داخل الجماعة والمجلة  فأصبحت المجلة مسيسة وبدأ جابرييل بوكتور يتحدث عن الفلاحيين والفقراء المصريين .

وفي أكتوبر عام  1934 ، دعا اسكندر فهمي ، المساهم المنتظم في المجلة ، المصريين إلى رفض اللغات الأجنبية والفرنسية كلغة أدبية شائعة
(“نحن في مصر ، لدينا لغة ، وربما غير متجانسة ) لكن هي موجودة بالفعل ، لأنها هي التي نتكلم بها . لماذا نذهب لتعلم لغة أجنبية وجعلها لغتنا؟ ونحن بحاجة إلى أن نستخدم في مصر اللغة المصرية )

وفي عام 1934 أيضا قدمت المجلة تقريرًا عن المؤتمر الأول للكتاب السوفيت
كما كتب  جو فارنا (جوزيف حبشي ) بعض النصوص المعبرة عن  الرغبة في تجريف وتعرية الخطاب القومي لصالح الرؤية  الماركسية حول العلاقات الطبقية.

أما الأستاذ  يوسف العفيفي ففي حدود عام 1934 اقترب من جماعة المحاولين  في نفس وقت  انضمام  الشاب  جورج حنين صاحب العشرون عاما للجماعة .  في أثناء ذلك قرر جورج حنين أن يبدأ رحلته الدراسية   في جامعة  السوربون في باريس ويقيم في القاهرة فترة وفي باريس فترة أخرى وبدأ ينتظم في المشاركة  في القاهرة في أنشطة أدبية  مع جماعة المحاولين  وانتظم في الكتابة في صحيفة آن أيفور .
  بينما أخذ الاستاذ يوسف العفيفي تلميذه  الشاب  كامل التلمساني  ليندمج في أروقة جماعة المحاولين والأوساط القريبة منها   وكان يوسف العفيفي هو الجسر الذي ربط كامل التلمساني  بجورج حنين . 

بعدها وداخل اروقة جماعة المحاولين اقترب جورج حنين من جوزيف حبشي (جو فارنا ) ونشر بالاشتراك معه عام 1935 كراسا يحتوي على نصوص حداثية  تحت عنوان

 (التذكير بالقذارة ) وهو عنوان تحريضي يسخر من كل الدعوات المؤيدة للالتزام بأي نظام .

جورج حنين

 
وفي عام 1935 وعلى صفحات مجلة  آن أيفور   شيد جورج حنين أول جسر ملموس بين الفنانين والكتاب المصريين وبين الحركة السريالية العالمية بكتابته لمقال  عنوانه ( من اللا واقعية ) يحتوي على ملامح وأطروحات سريالية 

 وقد ترجمه الأستاذ بشير السباعي و نقتطع من  نصه التالي : 

ما من شئ عديم الجدوى كالواقع ، فلماذا إذا نبحث عن الحقيقة في المكان الذي لا وجود لها فيه ، في الخارج ، بينما لا يجرى مجرد السعي إلى اكتشاف المواد الباطنية ؟ إن العالم الحقيقي الوحيد هو العالم الذي نخلقه في أنفسنا ، العالم الصادق الوحيد هو العالم الذي نخلقه ضد الآخرين … فلنمض إلى الأمام في اتجاه اللاواقعية فهي حيلة مبتكرة بالنسبة إلى الواقع وحقيقة بالنسبة إلى الأنا ، إلى الأنا القصوى … اكتبوا أي شئ يحدث لكم على المستوى الباطني ولا يستثيره أي مؤثر خارجي

**”وليس بالإمكان نقله أو استخدامه في العالم الخارجي

******

وفي مارس عام 1935 كتب جورج حنين في مجلة آن أيفور قصة لا واقعية بعنوان (النومين هاربا وعائدا إلى الحياة ) كان هذا النص هو أول نص ينشر في مصر مكتوب بتقنية الكتابة الآلية السريالية . 

كما بدأ جورج حنين  مراسلاته المتبادلة مع أندريه بريتون في نفس العام .  

***********************

أأنظر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s