نص ندوة أتيليه القاهرة عن كتاب السريالية في مصر للأستاذ سمير غريب

من اليمين الأستاذ سمير غريب الشاعرة ملك عبد العزيز الدكتور لويس عوض الأستاذ عز الدين نجيب

نشرت في العدد الأول من مجلة الغرفة السريالية وفي الطبعة الثانية من كتاب السريالية في مصر

أتيليه القاهرة ١٩٨٦

ندوة أتيليه القاهرة

“كان ذلك في الوقت الـذى اكتفت فيه شرائح من مثقفى

مصر، ومنهم أسـاتذة فى الجـامعة،

بالنظـرة والفرجـة،

بل كان بعض من هؤلاء……”.

لويس عوض

إذا اعتبرنا ما يلى فصلا، فهو فصل جديد، إضافة إلى الطبعة الأولى للكتاب.

ويتضمن تسجيلا للندوة التى كان نجمها الألمع الراحل العظيم الدكتور لويس عوض، وبعضا من المقالات التى نشرت عن الكتاب. وفى الواقع فلقد نشرت مقالات عديدة فى عشرات من الصحف العربية فى مصر وخارجها. بعضها فقدته للأسف، وبعضها مجرد عرض للكتاب. اخترت أن أعيد فيما يلى نشر المقالات التالية من بين عدد من المقالات التى حملت توضيحا ورؤى لكتابها فى موضوع الكتاب.

ربما تمثل إعادة النشر هنا فائدة، وربما تعطى صورة عن الإهتمام الذى قوبل به فى أوساط المثقفين العرب. ولن يفوتنى بالطبع التعبير عن سعادتى واعتزازى وشكرى لكل من شارك بقلمه فى عرض أو نقد “السريالية فى مصر”.

ندوة أتيليه القاهرة..

***

عقد أتيليه القاهرة ندوة مساء 15 نوفمبر 1986 حول كتاب “السريالية فى مصر” بعد أسابيع قليلة من صدوره. أدارت الندوة الشاعرة الكبيرة ملك عبد العزيز أرملة أستاذ النقد الكبير وأحد رواده العظام فى القرن العشرين الدكتور محمد مندور. وشارك فى الندوة الأستاذ الدكتور لويس عوض بمكانته الكبيرة فى الثقافة المصرية الحديثة. وكان من المعروف عن لويس عوض أنه قاس إلى حد ما مع الشباب، ولا يتحمس سريعا لأعمالهم. فكانت مشاركته فى الندوة وحماسه للكتاب ولمؤلفاته من استثناءات لويس عوض الملحوظة. ولقد استفدت كثيرا من معلومات وآراء الدكتور لويس عوض.

ويسعدنى أيضا أن الدكتور لويس عوض قد كشف عن بعض من ذكرياته الخاصة عن سنوات الأربعينات لأول مرة فى هذه الندوة… ولقد نشبت خلافات حادة بين الدكتور لويس عوض والفنان التشكيلى والكاتب عز الدين نجيب الذى شارك فى الندوة وتحمل ضربات لويس عوض الموجعة. ولقد أثرت أن أبقى على تسجيل هذه الخلافات كما هى لأنها تعطى حيوية للندوة وللكتاب بالإضافة إلى فائدتها الفكرية.

كما شارك فى هذه الندوة الراحل الكبير الأستاذ أنور كامل والذى عاصر الأحداث. موضوع هذا الكتاب- بنفسه وشارك فى بعضها. وكان مؤسسا لجماعة “الخبز والحرية” التى نشأت بجوار جماعة الفن والحريةوإن لم تعمر عمرها ولم تأخذ شهرتها أو تأثيرها.وكان صديقا لمؤسسى السريالية فى مصر. ولقد شرحت فى ثنايا الكتاب العلاقة والفوارق التى كانت بينهم وبين أنور كامل. لذا كانت شهادته مهمة جدا فى تلك الندوة.

سمير غريب

*************************££

        ملك عبد العزيز:

نلتقى الليلة، فى هذه الأمسية، حول كتاب (السريالية فى مصر) لمؤلفه الأستاذ / سمير غريب. فى البداية أرحب بكم جميعا. وأؤكد أن هذا الكتاب جاء ليسد فراغا كبيرا فى المكتبة العربية، ليست الفنية فحسب، ولكن أيضا من حيث التأريخ لفترة نابضة، احتدمت فيها التيارات الفكرية والفنية والثقافية فى مصر.

        الدكتور لويس عوض:

فى البداية أشكر الكتاب ومؤلفه الأستاذ سمير غريب أن قاما بجمعنا حول فترة حية من التاريخ الثقافى والفكرى المصرى المحتدم. والتى عايشتها عن قرب. هذا الكتاب مبحث علمى راق. لو قدر لصاحبه أن يتقدم به لنيل درجة علمية كالماجستير مثلا، لنالها مكرما وليته فعل، فهو مستوف لأركان البحث العلمى المنهجى الجاد.

قلت إننى عايشت هذه التجربة عن قرب. وكان أبرز ما يمثل أفراد جماعة الفن والحرية، إخلاصهم الشديد والجاد لفكرهم وإبداعهم، لقد كانوا يتمتعون بيسارية مثالية. وكثيرا ما كانت مناقشتهم تحتدم فى حماس وتوهج حول قضايا المجتمع والفن، فى أماكن تجمعهم فى بيت جورج حنين أو فى بيت “درب اللبانة” بالقلعة، وكان منتدى ثقافيا، أكثر منه مراسم أو أتيليهات لممارسات الفنانين الإبداعية. كانوا مجموعة نخبوية من المثقفين انتقوا من الفكر الاشتراكى ما اجتمعوا حوله من مثالية الحلم. وفى محاولات متعددة لنشر هذا الفكر فنا وسلوكا، كانوا يتفانون.. وأذكر، ذات مرة، وفى أحد المنتديات، التى تعج بالمتفرجين، وتحفل بأسماء مثل:

إيفيت، و ميريت، وأوديت، وقف كامل التلمسانى على إحدى المناضد وأخذ يخطب… واستثار حماس الجمع البسيط، فخرجوا فى تجمع صاخب إلى حى عابدين… وأخذوا يصيحون ويهتفون… وكان أن استيقظ الأهالى وطاردوهم… وجاء البوليس مع ساعات الفجر الأولى… ليقبض على شراذمهم وفلولهم الباقية…

كان ذلك فى الوقت الذى اكتفت فيه شرائح من مثقفى مصر، ومنهم أساتذة فى الجامعة، بالنظر والفرجة، بل كان بعض هؤلاء يروج لصورة محرفة شائنة، كانت سائدة آنذاك، فى المجتمع عن الجماعات اليسارية.

كانت الصورة السائدة عن هذه الجماعات اليسارية على أنها تجمعات للإباحية الجنسية. وأن الرجال والسيدات يتلاقحون فى الشوارع. يعنى باختصار صورة لا أخلاقية. وفى الصحافة اليومية المصرية تصور هذه الجماعات على أنها فى حالة إنطلاق جنسى. وكان التركيز فى هذه الحملة على الاتحاد السوفيتى. ما حاولت أن أعلمه لشباب الجامعة آنذاك، هو أن يتعاملوا باحترام فى النظر إلى هذه الجماعات. وأن يتعاملوا مع هذا الفكر كما يتعاملون مع فلسفات ابن خلدون وابن رشد… وأن ينظروا الى فلسفة الكفاح باعتبارها جزءا من تراث الفكر الإنسانى، يجدر مناقشته بموضوعية واحترام. ولقد حاولت أيضا أن أجعلهم ينظرون باهتمام إلى بعض رموز الفكر الماركسى فى وقت باكر جدا.

وهذا الكتاب يتمتع بتوازن غريب جدا.لأنه أعطى لكل ذى حق حقه… ، ربما توسع قليلا فى الكلام عن بعض الزوايا، وربما أيضا، اقتضت ذلك ضرورة ما… ولكن هناك نوعا من التوازن الواضح عن دور كل شخصية من شخصيات جماعة الفن والحرية. لقد كنت قريبا جدا من هؤلاء الناس. وكانت الجدية هى السمة الأولى لجهودهم. ومنذ التقائى بهذه الجماعة، وفيها أنور كامل، وعلى امتداد هذه الصداقة فى سنوات العمر، تناقشت معهم، واحترمت توجهاتهم، على الرغم من رأيى فى السريالية.

ولأن هذا الكتاب، فى رأيى، سيصبح جزءا من التاريخ، أرجو أن أقف مع المؤلف وقفة سريعة حول عدة ملاحظات تختص ببعض المصطلحات وترجمتها… وهى لاتقلل من قيمة الجهد المبذول… ولا دقة المؤلف فى تقصى معلوماته وإستيفاء مصادره. وكل تهانئى على هذا الجهد، وإنجاز هذا الكتاب، الذى أعتقد أنه لابد أن يتحول إلى وثيقة فى تاريخ الفن المصرى والفكر المصرى.

        عز الدين نجيب:

طبعا أستاذنا الكبير د.لويس عوض لم يترك لنا ما نقوله. هو صاحب سبق مرتين: مرة لأنه كان كعهده دارسا ناقدا فى ملاحظاته حول المصطلحات المترجمة. ومرة ثانية حين كان شاهد عيان على عصر بكامله دار هذا الكتاب حوله. إذن مهمتى بالغة الصعوبة أن أتحدث بعده. ولكن بشكل عام أرجو أن تتسع صدوركم لحديثى المتواضع. لإبداء بعض الملاحظات السريعة. وأنا لن أختلف فى شىء عما قاله د.لويس عوض حول قيمة هذا الكتاب. بالفعل هو كتاب وثائق نادر فى المكتبة المصرية والعربية… وتزداد قيمته – كما أشار المؤلف- عندما تعرض لمسألة السريالية، وبحث فى كل المطبوعات المصرية والعربية عن مصادر للمدرسة السريالية فلم يجد شيئا علميا يعتمد عليه، وكل ما وجده ليس أكثر من إشارة هنا وتعليق فى سياقات عامة لبعض الكتابات. ولم يجد دراسة علمية مكرسة منهجيا لهذه المدرسة فى الفن والأدب. يضاف إلى ذلك أن الحصول على الوثائق فى هذا الموضوع مسألة شاقة جدا. وأنا أعتبر أن حجم الوثائق المنشورة فى هذا الكتاب هو الأساس الأكبر فى قيمته، وأقول إن جمع هذه الوثائق اقتضى من المؤلف أن يعيش فى باريس. وأهم من ذلك متابعة فى دأب لبعض الشخصيات التى مازالت على قيد الحياة للحصول منها على مايتيسر أو تختزنه الذاكرة من معلومات… هى وثائق حية… ليجمع هذه الشهادات. وبعضها فى فرنسا وبعضها فى مصر… فضلا عن جهد المؤلف فى أن يجعل المعلومات هى التى تقدم الصورة… مؤجلا رأيه الشخصى للنهاية.. إلى حد تساؤل الكثيرين، عن حقيقة رأى المؤلف فى كل ما عرض من أفكار ورؤى. وإن كنت أستطيع أن أؤكد أننى لمست بوضوح شديد موقفه المتعاطف مع جماعة الفن والحرية… وتعاطفه الشديد مع السريالية… ولكن…

        الدكتور لويس عوض:

رأى المؤلف وموقفه واضح هو التعاطف… إنه يقبلهم على علاتهم…

        عز الدين نجيب:

وهذه ميزة وليست عيبا…!! ولكن ليسمح لى الصديق المؤلف. إن المأخذ الأساسى على هذا الكتاب يبدأ من العنوان: (السريالية فى مصر) فقد توقعت بعد قراءة المقدمة والدخول فى متن الكتاب أن يكون المؤلف قد ثبت عدسته على مدرسة بعينها فى تاريخ الفن العالمى المصرى، وبالتالى هيأت نفسى للحصول على وجبة دسمة من المعرفة بتاريخ هذه المدرسة و أبعادها كاملة فى العالم. والمنابع التى استقى منها رواد هذه المدرسة فى مصر: رمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمسانى أو مدرسة الفن والحرية.لكن المؤلف غاص فى عصر بأكمله. عصر هو من أخطر الحقب فى تطور الفكر المصرى الحديث، وللدكتور لويس عوض كتابات رائدة رائعة فى هذه الحقبة. وفى أواخر الثلاثينات، كان جيل الوسط، بعد جيل النهضة، هو الذى حملته الأقدار رسالة تبنى تيارات فكر جديد يهب على مصر من الخارج. وكان هذا الجيل هو الرئات المفتوحة لاستنشاق هذا الهواء الجديد ودفع الحركة الثقافية فى مصر. والنقطة الأولى هنا. إن هذه المسألة لم تكن مرتبطة بالفن فقط. وقد أثبت لنا المؤلف عددا من الأدلة والبراهين فى كتابه على صحة هذا المعنى، لقد كان التوجه الأساسى لهذا الجيل توجها سياسيا. بل عملا سياسيا، بل تنظيما سياسيا… لقد كانوا مستغرقين فى العمل السياسى العام. والانتماء الحزبى ونشاطه السرى. من هنا كانت قضية التغيير الشامل هى همهم الأول. وقد يكون الأكبر. ويأتى الفن جزئية فى هذه المنظومة الكاملة للتغيير الشامل لوجه الحياة فى مصر. وتحمل كلماتهم النارية، خاصة كامل التلمسانى باعتباره ناقدا موهوبا، هذا المعنى، إذن لم يكن توجههم إلى مدرسة جديدة فى الفن هدفا فى حد ذاته. وإنما كان ذلك من أجل تغيير التربة ووسيلة لاقتلاع جذور المجتمع من أسفل إلى أعلى.

أعطانا المؤلف معلومات وفيرة حول هذا الموضوع. حول طبيعة هذه الجماعات اليسارية التى تعكس التفكير التروتسكى واتصالها بعدد من المنابع العالمية العامة. وهنا أتفق مع الدكتور لويس عوض بشكل كبير فى مسألة غموض الجوانب الأخرى لهذه العملية الثقافية الكاملة خلال هذه الحقبة… وعلاقة جيل الفن والحرية بها.كيف تعاملوا مع سلامة موسى حتى أسلمهم قيادة مجلته (المجلة الجديدة)؟… وكيف…

        الدكتور لويس عوض:

لقد ألمح المؤلف إلى هذا فى إحدى صفحات كتابه.عندما تقابلوا فى بيت جورج حنين وبدءوا يتراشقون بالكلمات.لقد كانت هناك أزمة فكرية بين سلامة موسى وبينهم، كان أسلوب الكلام غريب…

        عز الدين نجيب:

النقطة الثانية: إن عنوان الكتاب ضيق إطار الرؤية. حيث لم يتم إشباعنا–  نحن القراء من خلال العنوان بما نحتاجه من معلومات كافية عن السريالية موضوع البحث وهى بالمناسبة ليست كذلك. فقد حلق بنا المؤلف وطار بعيدا عن العنوان.

ثالثا: هناك ما يتعلق بالتجربة الأساسية لهذا الجيل. جيل الفن والحرية. فالإضافة الإبداعية الكبرى التى أضافوها لحركة الفن لم تكن هى السريالية. نعم كانوا هم الرواد الأوائل الذين فتحوا الطريق إليها. لكن لو تتبعنا من خلال الكتاب نفسه المدة الزمنية التى استغرقتها تجربتهم الإبداعية فى السريالية أقل من ثمانى سنوات كل ما أقاموه خلالها من معارض عامة هى خمسة معارض. بعد عام 1945 تحللت الجماعة وتفرقت السبل بهم فى اتجاهات متعددة. وهنا بدأت لكل واحد منهم قيمة متأصلة فى الحركة الفنية. رمسيس يونان أخذ اتجاها مختلفا تماما مع المرحلة السريالية. وفؤاد كامل إنتهج نهجا آخر مختلفا عن رمسيس يونان، فى التجريدية، أما كامل التلمسانى فهجر الفن واتجه إلى السينما. ثم غادر مصر بعد ذلك. وملامح الجيل أيضا تفرقت خارج مصر. فرمسيس يونان عاش فى فرنسا بعد خروجه من المعتقل بقليل. حيث تصدت حكومة إسماعيل صدقى عام 1946 لكل القوى اليسارية والوطنية وقامت بحبسه. ونستطيع القول إن نشاط الجماعة الذى حدث بعد عام 1946 كان رد فعل عكسيا ومختلفا عن مقومات ومنطلقات وتوجهات الجماعة قبل 1946.

بمعنى إنه إذا كانت الحركة فى بداياتها من 1939 حركة مد ثورى يصل إلى أقصى درجة من الممارسة الثورية فى الواقع للالتحام بالجماهير وخوض الانتخابات والمظاهرات ودخول السجن. تنتهى بعدها إلى قطع الصلة نهائيا بالسياسة. والبعد عن القناعات الفكرية التى تقف خلف التوجهات الفنية.التخلى عن دور الفن فى تغيير الواقع. وهذا ما نادت به البيانات السريالية الأولى باعتبار الفن أحد أدوات التغيير الثورى. ومن الغريب أن واكب هذا ما حدث فى فرنسا. فإذا كانوا هم قد التقوا مع السريالية فى الأدب الفرنسى، وخاصة فى الشعر على يد ايلوار وأراجون، فهذه الحركة فى فرنسا قد انحسرت بعد قليل، والدكتور لويس هو الأقدر على الخوض فى ذلك، ولكن ما أعرفه أن أفراد منهم ممن كانوا فى الحزب الشيوعى الفرنسى، انسحبوا منه وبدأت توجهاتهم تختلف عن مشاربهم الأولى. حتى جورج حنين نفسه، وهو قائد الجماعة والمنظر لها فكريا، إِختلف مع العديد من زملائه. وهناك كتاب فى هذا الصدد. يضم مناقشتهم والمصادمات الفكرية فيما بينهم.

إذن نحن أمام مرحلتين متميزتين تمام التمايز خلال تاريخ هذه الحركة. وقد ركز المؤلف همه على المرحلة الأولى.مرحلة الالتحام بالواقع فى مصر. وكان تركيزه من زاوية خاصة.هى المحيط الضيق الذى خاضوا فيه. ولم يوسع الإطار ليشمل الحركات الثورية الأخرى فى هذه الحقبة. وهم كانوا جزءا منها. حتى لنستطيع القول إن منطلقهم فى خوض معاركهم كان منطلقا ليبراليا أكثر منه منطلقا حزبيا. بدليل أن مجلة (التطور) كانت تحوى فى أعداد منها مقالات تدافع عن النحاس باشا وعن الوفد. وعن طه حسين فى مواجهة العقاد. وطه حسين لا يلتقى معهم فكريا فى جوهر فلسفته. إذن المنظور كان ليبراليا واسعا وليس حزبيا ضيقا. وهذا يشير إلى ممارستهم العمل السياسى بمنظور منفتح على الإتجاهات الأخرى فى هذه الفترة من تاريخ الحركة اليسارية والفكرية فى مصر.

هذا البعد أشار إليه المؤلف إشارات كانت تحتاج إلى تعميق أكثر. فالكتاب يبدو كما لو كان شريحة أفقية لمرحلة مهمة من تاريخ الحركة الثقافية والفكرية فى مصر. بما يجعل من هذا البعد جزءا مكملا لتلك الرؤية.

وأسمح لنفسى بالتداخل مع المؤلف فى مسألة المنطلق الفكرى للجماعة حول مسألة السريالية. نعم هم أخذوا الكثير من الأدبيات الأولى للسريالية. ونشرها رمسيس يونان فى كتابه:”غاية الرسم العصرى”. وأشار إليها كامل التلمسانى فى مقالاته، واستعاروا كلاما كثيرا من فرويد وغيره. لكن إذ كان صحيحا ما ذهبت اليه فى بداية حديثى من أن القضية بالنسبة إليهم ليست السريالية كمدرسة للفن بقدر ما هى ثورة فكرية على مجتمع متخلف راكد. يمكن القول إن التسمية الخليقة بهم: جيل التمرد. ولو اتفقنا على هذه التسمية يكون ذلك فى النهاية مدخلا لفهمنا ضمنا ما جعلهم ينسحبون. إن المتمرد يحمل بداخله قدرا كبيرا من الرومانسية. العاطفة الحارة التى تجعل (دون كيشوت) يضع كل آماله فى سلة واحدة. إما كل شى أو لا شئ… وعندما انكسرت شوكتهم أمام النظام انكسرت قوة المقاومة داخلهم فانقلبوا إلى اتجاهات مغايرة. هذه هى القضية الأساسية فى انقلاب رمسيس يونان من السريالية إلى التجريدية. ليس هذا فحسب. بل إننى قرأت مقالات رمسيس يونان فترة السريالية. وأخرى فى أوائل الستينيات فرأيت أننى أمام شخصين متعارضين. حيث كان رأيه فى الفن مختلفا تماما فى كل مرحلة من المرحلتين:

1.                      فى الأولـى: الفن سلاح لتغيير الواقع والفنان مطالب بأن يحول أدواته الفنية إلى وسائل للتغيير الثورى.

1.         وفى الثانية: الفنان مطالب بأن يستكمل أدواته الفنية و أنه ليس داعية سياسيا. بل إن آفة الفن هى تحوله إلى شعارات للتغيير أو الدعوة اليه.

        الدكتور لويس عوض:

أريد أن أقول إن السريالية بدأت فى أوربا بانتحار ماياكوفسكى، كانت هناك جماعات تطلب منه أن يستمر ثوريا على حساب الفن. ولكنه حين أدرك أن الإستمرار فى الثورية معناه أن يكتب قصائد عن الجرارات وأدوات الانتاج. أن يكتب بمواصفاتهم. أو يكتبوا عنه تقارير إلى اتحاد الكتاب بأنه ضد الشيوعية، وضد كذا.. وإنه مواطن غير صالح. حسم لهم هذه القضية بأن قرر الانتحار.. حل بذلك أزمته الخاصة..

        سمير غريب:

حل أزمة السريالية ككل لأن نتيجة ذلك، بعد عدة اجتماعات فى الحزب الشيوعى الفرنسى تم الاتفاق على صيغة مشتركة للتزاوج بين العمل السياسى والعمل الفنى. فقبل انتحار ماياكوفسكى كان الحزب الشيوعى الفرنسى له موقف منه. وبانتحاره حل أزمته الشخصية وحل أيضا أزمتهم بهذا الاتفاق..

        الدكتور لويس عوض:

حتى ذلك التاريخ كانت السريالية نشطة فى أوربا. وعندما انتحر ماياكوفسكى نقلت معسكرها من الاتحاد السوفيتى، حيث كانت تحت جناح الثوار والمستقبليين و أمثالهم. خرجوا بعد بذلك إلى فرنسا وانجلترا وأمريكا وبدأو ما يسمى بالفن المنحط.

        عز الدين نجيب:

بشكل عام، قضية جماعة الفن والحرية هى قضية الموقف الذى يتخذه الفنان إزاء مجتمعه والعالم. ولا يفرق فى ذلك بين موقفه من القضايا فى داخل بلده أو فى بلد بعيد تنتهك فيه الحرية. أو ينتهك فيه حق الفنان، وقد يتعرض للسجن ولكن مع إحساس نبيل الهدف. وهنا نستطيع أن ننظر إليهم على أنهم..

        الدكتور لويس عرض:

زعماء بلا أتباع.. أو قادة بلا جيوش.

        عز الدين نجيب:

هذا هو المقتل.. أو تلك هى المشكلة.

        الدكتور لويس عرض:

أنا أذكر أن رمسيس يونان ترك مصر عام 1946. بعد أن قبض عليه صدقى باشا. فى تلك الفترة كان هناك أمر بالقبض على أيضا. كان المفروض أن يقبض على، لكن شاء حسن حظى أن ذهبت إلى فرنسا. وكنت أيامها مدرسا بالجامعة، وكان وكيل النيابة المكلف بالقبض على. يقابلنى دائما عند صبرى جرجس ويسألنى: متى تسافر إلى فرنسا؟ أقول له: ليس قبل نهاية الامتحانات والتصحيح.. بعد أسبوع يكرر السؤال نفسه وأكرر الجواب.. إِعترف لى هو بأنه المكلف بإِلقاء القبض على، وكان إسمه أحمد مختار قطب أخا وجيه قطب وهو نفسه الذى قبض على الدكتور محمد مندور.. بعد أن سلمت أوراق الامتحانات، كنت فى اليوم التالى على ظهر الباخرة، وأنا فى فرنسا كان صدقى باشا جهز القضية. وبعد أربعين يوما تم الإفراج عنهم. لأن التهمة الموجهة إليهم كانت تهمة مضحكة. وهى (تكوين رابطة لمكافحة الاستعمار) طبعا هذه تهمة مضحكة أمام أى وكيل نيابة، فى بلد يموج بالغليان الوطنى، ولا يمكن أن يحبس الإنسان بسببها !!.. فأفرج عنهم..

وحين رجعت وجدت كل شى قد انتهى.. إلا أن رب ضارة نافعة.. فقد ساعدتنى الجامعة خلال الأزمة. ذلك أن وزير الداخلية قد أرسل خطابا إلى وزير المعارف ومنه إلى مدير الجامعة يفيد بأنه ضمن هيئة التدريس بالجامعة مدرس شيوعى هو لويس عوض. وردت إدارة الجامعة: إلى وزير المعارف، ومنه إلى وزير الداخلية: إن لويس عوض مفكر مستقل وليس شيوعيا.. أخبرني بهذه الحادثة – فيما بعد- مصطفى بك عامر بعد الثورة. وهذه قيمة أخلاقية تسجل لمثله من الرجال. حيث لم يخبرنى بما تم وقت حدوثه أو بعده بقليل حرصا على عدم الارتباك النفسى، أو الوقوع فى دائرة الخطأ، كذا عدم المن. ذلك أنه عندما فرض عليك حماية من نوع ما لم ينوه عنها، حيث يرى ذلك واجبا من واجباته ولا يوقعك فى دائرة الخضوع لإحسانه.

أعود إلى ما كنا فيه. فى رأيى الشخصى، وإحساسى، أن رمسيس يونان قد أصيب باليأس السياسى بعد حكاية صدقى باشا. وقبل سفره أذكر أننى حذرته وقلت له: يا رمسيس لا تمكث فى فرنسا.. سافر لتستريح أعصابك ثم عد ولا تبق هناك.. وأذكر أن لقاءنا هذا كان فى قهوة (متاتيا) وكان معه قلم وورق.. وكنت بصدد نشر ديوانى (بلوتولاند) وقرأ بعد قصائده، ورسم لى الصورة التى ضمها الديوان.. وكانت بدون توقيعه.. وكثيرون لا يعرفون أنها من أعماله. أثناء حديثه معى فى هذا اللقاء لمست مدى الإحباط الذى يعانيه. وهذا طبيعى جدا لأناس لم يضمهم تنظيم سياسى.. المنتمون لأحزاب يستطيعون التحمل لأن وراءهم تعضيدا من القوى المثقفة وقوى العمال. وأعود فأقول: إننى كلما رأيتهم وجدتهم يقرأون لوتريامون وأراجون وسيمون.. ذكرونى بالجو الثقافى الأوربى الذى عشته قبل رجوعى إلى مصر. فى الوقت نفسه كان الجامعيون محبوسين فى التخصص الأكاديمى المغلق الذى يوحى بعدم وجود حرب عالمية. أو وجود النازية أو اندلاع الحرب الأهلية الأسبانية.. كأن العالم ليس فيه مشاكل.وكل أستاذ يقبض راتبه أول الشهر. وكأن مصر ليست بها أى مشكلة.. صدقى باشا فى الحكم والمناضلون فى السجن.. ليست مشكلة !!.. واللى يتجوز أمى أقول له: يا عمى، وهكذا..

كانوا منفصلين تماما عن الواقع.. بعيدين عن مشاكل مصر وما بها من غليان.. حتى الغليان الاجتماعى لا يهم.. رمسيس يونان لم يجد مكانا لينطلق منه.. أما واحد مثل محمد مندور قد استطاع إلى حد ما أن يصل صوته، لأن خلفه ظهرا هو (الوفد).. رغم كونه أقلية فى هذا الحزب.. إنما هذا الإحساس بأن (ابن عمك فيهم رماح.. ) مكن مندور، كما يمكن أى مثقف أن يمارس دورا ولو محدودا.. بعكس حال الجماعة.. جماعة الفن والحرية.. عندما تجد أن أقرب واحد تجمعك به وحدة فكرية قاعدا فى فرنسا واسمه ميشو أو أراجون.. وهكذا..

        عز الدين نجيب:

أرجو أن تتسع صدوركم لدقائق معدودة.. وسأنطلق من الفكرة التى أشار اليها الدكتور لويس عوض. أنهم كانوا قادة بلا جيوش.. لو أردنا أن نتعمق فى هذه الظاهرة يطالعنا هذا السؤال: من المسئول عن هذا الوضع.. كونهم فرسانا بلا جنود؟؟ لو بحثنا سنجد أن المشكلة تكمن فيهم هم.. أنفسهم.. وليس فى الظرف السياسى حتى هذا المثل الطريف الذى ساقه د.لويس عوض.. عندما دخل إلى النادى الذى يؤمه عدد من الأجانب أسماؤهم مثل: أوديت.. وميريت.. وشارلوت وكان كامل التلمسانى يخطب بالفرنسية !!.. ثم خرجوا من النادى بعد منتصف الليل والناس نيام.. وانطلقوا من شارع طلعت حرب إلى الأزبكية، إلى عابدين حيث كان هناك منزل مرشحهم: فتحى الرملى.. وأخذوا يهتفون إلى أن استيقظ الناس، وفيهم العمال وغيرهم، وانهالوا عليهم سباباً وضربا، وتفرقوا ولم يبق إلا القليل الذى يعد على الأصابع.. ثم جاء البوليس وقبض عليهم.. هذا هو النهج الذى سار عليه، ومارسه، التروتسكيون فى العمل الثورى، المشكلة هنا أن الحركة فى الحقيقة فوقية، مثلما كانت فوقية فى الفن. كذلك كانت فى العمل السياسى، وهما وجهان لعملة واحدة.. هم أستعادوا كل أدبيات السريالية. وكان المجتمع فى أوربا مهيئا لهذه الرياح التى حملت بذور اللقاح. لم يكن هناك المثقف الذى يستطيع أن يغير الثقافة المصرية ويكسو الهيكل القادم من الغرب بلحم ودم من الواقع المصرى. مثلما فعل الجيل السابق، جيل محمود سعيد وراغب عياد ويوسف كامل و أحمد صبرى، حين قاموا بالتعبير عن اتجاهات منقولة عن مدارس أوربية. ولكن على أيديهم أصبحت لغة مصرية تتكلم عربيا. صحيح أن يوسف كامل كان ينقد القرية المصرية بالأسلوب التأثيرى. لكن لو أحضرت لوحة ليوسف كامل بجوار أخرى لمونيه أو رينوار. قد تجد أن الأساس واحد. ولكن لن تجد أى وجه للتشابه حيث أصبح الروح والدم مصريين. وهذا ما جعلهم يعيشون فى وجدان الحركة الوطنية.

        صوت (أحد الحاضرين):

فكرة الوطنية كانت مرفوضة عند جماعة الفن والحرية !!

        عز الدين نجيب:

هذا هو الفرق، وهو ما سأعود إليه.فعندما قدم الجيل الأول عطاءه مستمدا من إنجاز القرن التاسع عشر فى الفن الأوربى. كان مطروحا فى أوربا فى ذلك الوقت بدايات المذاهب الحديثة كلها.السريالية والتعبيرية والتعكيبية. وكانت بداية التجريدية فى العشرينات والثلاثينات. لكن لا ننسى الكلمة العظيمة لراغب عياد: (بينما كانت الباخرة تدخل بى ميناء الاسكندرية، كنت أخلع قبعتى وأرميها فى البحر..!!) إنه الانتماء لأرض غير القادم منها. انتماؤهم للوطن ورغم أن أعمال راغب عياد نفسه فى إيطاليا – أثناء البعثة – تتسم باستيعاب واع وكامل للأكاديمية الأوربية، ولبعض الاتجاهات التأثيرية فيها. ويقال الشىء نفسه عن يوسف كامل..

        الدكتور لويس عوض:

أظنك بهذا تلقى أضواء غير جيدة على راغب عياد.. إن هذا الكلام ليس فى صالحه..!!

        عز الدين نجيب:

أولا: أنا أحاول أن أرصد سياق التطور التاريخى، الذى قاد حركة الفن والحرية أو رمسيس يونان إلى الأزمة حيث أصبحوا قادة بلا جنود أما بالنسبة إلى حديثى عن راغب عياد فأنا أتابع عطاءه، فإذا وصلت فى تحليلى إلى درجة التنكر للإبداع العالمى فيحسب هذا ضده..

        الدكتور لويس عوض (مقاطعا):

وكأنك تعدد الخيانات، كارثة راغب عياد تلك، هى كارثة جميع الفنانين المصريين و الأدباء، الذين شاهدوا جزءا من الحضارة الأوربية وأعطوها ظهرهم بمجرد عودتهم من البعثات إلى مصر..!!

        عز الدين نجيب:

هناك فرق بين إعطاء الظهر أو عدم الإفادة من هذا الكنز المتاح، وبين الإستيعاب الواعى لما يفيد ويستثمر ضمن الخصوصية المصرية..

        الدكتور لويس عوض:

هل تعتقد مثلا أن نجيب محفوظ لا يعرف شيئا عن هذه الحركات؟؟

        عز الدين نجيب:

لا بالطبع.. إنه يعرف جيدا.. ولكن نجيب محفوظ وجه إيجابى..

        الدكتور لويس عوض:

أنت تصفه بانه وجه إيجابى.. غيرك يصفه بنعوت أخرى..!! أريد أن أقول لماذا نقسو على الناس..؟؟ بمعنى أنه إذا اختلفت مع أحد لا داعى لأن تتهمه.. إحصر المسألة فى دائرة الرؤية المختلفة..؟؟

        عز الدين نجيب:

أنا لم أقصد إلى ذلك.. ولكن أقول إنهم بقدر ما كانوا روادا لهم فضل اجتهاد النقل. لم يكن لهم اجتهاد الهضم والإستيعاب.. هذا فى إطار التأريخ للحركة..

        الدكتور لويس عوض:

هذا حكم..

        عز الدين نجيب:

وهل غير مسموح لى أن أقول وجهة نظر..؟

        الدكتور لويس عوض:

هذا من حقك.. ولكن كأنك تقول: ادخلوا الاتحاد الاشتراكى..!!

        عز الدين نجيب:

إن فكرتك يا دكتور أوسع من أن تضيق الموضوع وتحصره إلى هذه الدرجة.. ما دخل ذلك بالأتحاد السوفيتى؟

        الدكتور لويس عوض:

واحد مجنون.. لماذا تحرمه من حق الجنون..؟

        عز الدين نجيب:

لم أحرمه.. أنا فقط أفسر الحكم الذى أصدرته أنت.. بأنهم فرسان أو قادة بلا جنود.. هذه هى النقطة التى أناقشها..كيف أصبح جيل الفن والحرية يمثل نفسه و لايمثل تيارا كبيرا عارما يستمر بعد أن توقف أفراد الجماعة..لماذا هم أنفسهم انقلبوا 180 درجة على إنجازهم الأول؟ إننا نفسر ظاهرة أصبحت فى ذمة التاريخ وملكا له.. فمن حقنا أن نقول فيها ما نشاء، حتى لو لم نتفق.. وهذا لايقلل من دورهم بل نحن فى ذلك نستلهم منهم الدرس ومن خلال تجربتهم نستضئ به.. هل فى ذلك تجاوزا أو افتراء..؟

        الدكتور لويس عوض (ضاحكا):

عز الدين نجيب يدافع عن ردة الفنان على منجزات الحضارة..

        عز الدين نجيب (معلقا ضاحكا):

بهذا المنظور.. الدكتور لويس يدافع إذن عن التبعية..(ضحك وصخب)

        عز الدين نجيب (مواصلا):

طبعا هذه دعابة.. لا يمكن الدكتور لويس يدافع عن التبعية..

        الدكتور لويس عوض:

كانت للدكتور حسين فوزى عبارة أثيرة كثيرا ما كان يرددها.. كان يقول: (نحن نعيش فى جنة المجانين..) أنتم تعرفون أن المجنون سعيد بعقله.. وأنت تعيش فى مجتمع سعيد بقيمه.. مبسوط من طريقته فى التفكير.. عنده الحلول والإجابات الجاهزة عن كل الأسئلة.. قضية منتهية..

        ملك عبد العزيز:

ولكن يا دكتور حقيقة، هم، جماعة الفن والحرية، انتهوا إلى رفض كل شىء، من كان يؤمن بالماركسية، رفضها تماما وقال لابد أن يكون الإنسان خارج الدوائر..

        الدكتور لويس عوض:

أنا أسالك سؤالا.. وأرجو أن تتوقفى قليلا قبل الإجابة: هل كان رمسيس يونان ماركسيا؟

        عز الدين نجيب:

كان يقدم رؤية ماركسية..

        ملك عبد العزيز:

كانت لهم مقولات يمكن أن تدخل تحت هذا الإطار..

        الدكتور لويس عوض:

رمسيس يونان لم يكن ماركسيا.. هو والتروتسكيون كانوا يريدون أن ينقذوا الفرد من المجموع.. عندهم شئ إسمه (المجموع) هو العدد الأول للفرد..

        عز الدين نجيب:

فى رأيى أن المرحلة السريالية عند جماعة الفن والحرية، هى مرحلة تطبيق واضح لكل الأفكار النظرية التى كانوا يطرحونها طلبا للتغيير، ولكنها تحمل فى داخلها نفس النقطة التى توقفوا عندها.. وبسببها عن السريالية.. وهى رغبة التوجه إلى نهاية العالم. فالنظر إلى أعمال رمسيس يونان فى هذه الفترة – كما نشاهد بعد قليل فى البروجيكتور – نجد أن دون كيشوت لرمسيس يونان، فى اللوحة يبدو سانشوبانزا والقلعة الخلفية، وأمامهم النهاية، لقد وجدوا أنهم أمام المستحيل. إن اللوحة تعكس العجز عن الخروج من المأزق الذى وضعوا أنفسهم فيه. الطرح الذى كانوا يطرحونه من خلال الفكر التروتسكى الماركسى كان يفوق احتمال الواقع نفسه، لاستقباله أو للتغيير على نمطه.طرح الحد الأقصى للتغيير فى كل شئ التغير فى الفن، فى القيم الأخلاقية للمجتمع، إلى حد أنهم طالبوا فى فترة ما، من خلال مقالاتهم، رمسيس يونان مثلا فى مجلة (المجلة الجديدة) بتجربة الاختلاط الجنسى فى المدارس الثانوية.. أو التعليم العام ..

        سمير غريب:

ليس الاختلاط الجنسى.. إنما التعليم المشترك بين الجنسين..

        عز الدين نجيب:

نعم.. هذا ما أقصده.. وآسف للخطأ فى التعبير.. ما يحملون به، ويطرحونه، يحاصره القيم السائدة آنذاك، الشئ نفسه ينسحب على فكرة التحول السياسى..، الشعارات السياسية التى كانو يرفعونها حول سيادة الفلاحين والعمال والطبقة العاملة ودكتاتورية البروليتاريا، فى الوقت الذى كان فيه الأقطاع والاستعمار يرسخان أوتادهما بدعائم الحكم الذى يقترب، إن لم يتفوق فسادا وعفونة، عن الحكم فى روسيا القيصرية..!! إذن كان هناك تجاوز للواقع فى طرحهم.. وانفصام فى الرؤية لديهم..

        الدكتور لويس عوض:

هذه محاكمة.. ولو كانت كذلك.. ينبغى الحديث بطريقة أخرى..

        ملك عبد العزيز:

ليست محاكمة.. إنها وجهة نظر..

        الدكتور لويس عوض:

لا هذه محاكمة يا سيدتى.. محاكمة السريالية.. أنا معاد للسريالية.. ولكن الأستاذ عز، وهو لم يعش فترة الحرب الأهلية الأسبانية، ولكنه وغيره، عندما يرى (جيرنيكا) بيكاسو وما أبدعه فيها، سيحس أن الدم مازال لزجا وعالقا بأيدى الفاشيست.

        عز الدين نجيب:

أنا أتعرض لطرح المؤلف فى كتابه، لمسار وصعود وهبوط الحركة السريالية فى مصر. والمؤلف نفسه فى هذا الطرح ناقش ذلك. وأنا أناقش طرح المؤلف لهذا الواقع التاريخى للحركة.أنا أرصد ظاهرة فنية. وأبحث لماذا انكسرت وارتدت ارتدادا عكسيا. وأعتقد أن الكتاب استكمل فى الجزء الخاص بالفترة المنتهية. بتفرق الجماعة بين فرنسا ولبنان. وتوقف نشاط النشر الذى داوموا عليه. وإن كانت هذه الفترة بحاجة إلى إضاءة أكثر. ربما كانت تجنبنا بوضوح رؤيتها هذه الاتهامات المتبادلة الآن. حول الحقيقة التى نجتهد – من خلال الكتاب – فى الوصول إليها. ولازلت أؤكد أن هناك جانبا أساسيا يفسر بعد رمسيس يونان وكامل التلمسانى عن الفن الملتزم.. والذى كانت الحركة الوطنية والمد الثورى فى ذلك الوقت تنتكس نكسة شديدة على يد حكومة إسماعيل صدقى حيث باتت الرموز والقيادات فى السجن وكان من الاستحالة أن يستمر طرح هذا الجيل بنفس حماسته وتوهجه وأسلوبه.كان عليه أن يتطور مع الواقع المتغير. ولكن لعدم وجود الملكات السياسية التى تجعل من خلية العمل الثورى حقيقة لهذا الجيل.انهار طرحهم النظرى وانسحب من الميدان دون أن يخلف وراءه تلامذة تقوم بالعمل بعد غيابه عن الساحة. وهذه نقطة مهمة. نقطة إلتقاء العمل السياسى التطبيقى بالرؤية النظرية.. وقد ظهرت بعدهم مباشرة جماعات فنية. سارت بدرجات مختلفة على الطريق نفسه. وقد أشار إليها المؤلف، وحديثى هذا كله مرتبط بالكتاب، وليس مقحما عليه. فجماعة الفن المعاصر بقيادة حسين أمين ومن أعضائها: عبد الهادى الجزار وحامد ندا وسمير رافع وإبراهيم مسعودة، استطاعت أن تكون الحلقة التى تصل بين فكر المجتمع فى حالة التغيير، وبين المدارس الحديثة فى العالم الخارجى. وأنا آخذ على الكتاب، أن مؤلفه استبعد هذه الجماعة عن حركة السريالية فى مصر. وأنه استبعد جماعة الفن المعاصر، وهى مدرسة تختلف، إلى حد كبير، جماليا وفكريا، عن جماعة الفن والحرية..

        سمير غريب (مقاطعا):

لهذا أنا استبعدتها..

        عز الدين نجيب (مواصلا):

هى ليست سريالية، ولكنها فى السريالية.. وهذا الأستبعاد غير مبرر..، إذ أنها طالما تقدم رؤية جديدة فى إطار السريالية، سيبقى لها حق أن تحتل مكانها فى الكتاب.. بعد ذلك، فى فترة الخمسينات، حيث أتجه الفنانون الثلاثة من جماعة الفن والحرية نحو التجريدية، كنت أتوقع أن يسلط المؤلف الضوء عليها بإعتبارها وجهاً آخر للفنانين أنفسهم فى هذه الفترة. ونعم لم تكن الأعمال سريالية ولكنها تقع فى دائرة رد الفعل. ورد الفعل مكمل للفعل. من فن جماعة الفن والحرية. الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثين عام على هذه الجماعة، وعندما نضع أعمال المرحلة السريالية بجوار أعمال المرحلة التجريدية، أعترف أننا لن نختلف حول الإضافة الجمالية والعطاء الإبداعى وتميزها فى المرحلة الثانية أكثر مما هى عليك فى المرحلة الأولى. وبالتالى كانت هذه الفترة أو المرحلة فى حاجة أكبر إلى عناية المؤلف.

        أنور كامل:

الحقيقة أن هذا الكتاب أخرجنى عن صمتى، ومتجاوبا معه، كتبت تعقيبا عنه فى مجلة “صباح الخير” نشر مختصرا منذ أربعة أسابيع. وأنا على استعداد لأن أطبعه على نفقتى، نصا كاملا. وأقوم بتوزيعه.. ما لفت نظرى فى هذا الكتاب هو كم المعلومات الوفير، الذى لو حاولت أنا – وأنا جزء من هذا التاريخ – أن أتفرغ لجمعها لفشلت. وقد زال استغرابى وخفت دهشتى إلى حد ما، عندما عرفت أن المؤلف الأستاذ سمير غريب قام بالاتصال بالجنابى فى باريس، وبولا زوجة جورج حنين، وأولاد رمسيس يونان. لاشك أن ذلك تطلب  منه وقتا وجهد غير عاديين، إن هذا الدأب والاتصال الحميم المباشر بالمصادر أعطى حيوية فائقة للمعلومات المطروحة فى صفحات الكتاب.. ومن ضمن مالفت نظرى التعرض للبيان حول: دفاع عن قومية الفكر.. تعتقدون: من عمل هذا البيان؟

        سمير غريب:

جماعة الفن والحرية..

        أنور كامل:

من تولى صياغته؟

        ملك عبد العزيز:

أنور كامل..

        أنور كامل:

هذه معلومة لكم. وهى واحدة من المعلومات.. بعض الناس الذين قرأوا الكتاب تساءلوا: ما هو فكر سمير غريب؟ لقد جمع معلومات قيمة.. وسردها.. وأثبت مقالات.. ومنشورات.. ولكن فكره غير واضح.. قالوا إن سمير غريب لم يفصح عن رأيه هو.. لكن أرد على هذه التساؤلات بجملة واحدة ساقها سمير غريب فى المقدمة، وأتساءل بدورى، كيف لم يلتفتوا إليها رغم صراحتها. تقول العبارة: (إننى أكتب هذا الكتاب لا دراسة للماضى، أو عنه، وإنما طعنا فى الحاضر، وشقا للمستقبل..).. وتعبير: (شقا للمستقبل)، ينم عن رؤية وفكر لمؤلف.. وهذه الدراسة ليست سلفية للماضى، وهى بالطبع مقلقة للحاضر ومؤملة فى المستقبل لفتح وشق

طريق يفيد من تجارب الحقب السابقة للوصول إلى مستقبل أفضل.. ولقد لاحظت خلال المناقشة إغراقا أو جنوحا عن مجال الكتاب، حيث خضنا فى تفاصيل حول التروتسكية وغيرها.. وفى اعتقادى أن هذا أكثر من المطلوب.. وأرجو أيضا أن نقلع عن (موضة الـ إيزم ISM) لتناول إمكانيات التغيير والنمو والتطور بدون (إيزم) وبعيدا عن المسميات الكبيرة والشعارات.. لقد سعدت جدا بسمير غريب وبكتابه الجميل.. وكأن الدكتور لويس عوض عبر عما يجيش فى صدرى عندما قال عن الكتاب: إنه لو قدم للحصول على الماجستير لحصل على هذه الدرجة بإمتياز. وهذه شهادة من الدكتور لويس نعتز بها، وفى مقدمتنا المؤلف.. وبعد حديث الدكتور لويس وشهادته ورأيه أظن أنه لا مجال لجديد.. وشكرا.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s