هيبة الرعب _جورج حنين 1945

ترجمة الأستاذ بشير السباعي

هيبة الرعب

جورج حنين
ترجمة الأستاذ بشير السباعي

أن ينتهي والأغلال في قدميه، ذلك كان غاية حياة. لكن هذا قفص ذو قضبان. دون مبالاة، بشكل متسلط، دون حياء، تسللت ضجة الناس وعاودت التسلل عبر الشبيكة؛ في الحقيقة، كان المُحتجَزُ حُراًّ؛ كان بوسعه المشاركة في كل شيء، لم يغب عنه شيء في الخارج؛ بل كان بوسعه الهرب من القفص؛ كانت القضبان متباعدة على اتساع متر؛ بل إنه لم يكن مقبوضاً عليه.
فرانتس كافكا
الثامن من أغسطس 1945

ليس هذا بحثاً. فالبحث لا يكتب عن سبق عمد وإصرار وبكافة الاحتياطات الأدبية المتعارف عليها وحسب، بل هو يستلزم بالإضافة إلى ذلك حشداً للمراجع وللمعطيات، ذات الطابع الإحصائي إلى هذا الحد أو ذاك، وهو ما لا يسعني أن أضحي في سبيله بجيشان السخط والغضب الذي أملى عليَّ هذا النص. ناهيك عن أن جمهور الأبحاث القديم، وقد خان كل تفكير مليّ، إنما يجد لذته اليوم في قراءة العديد من “المختصرات” الرائجة وفي أخبار الدسائس المثيرة للمشاعر المبتذلة، سواء كانت دسائس ديبلوماسية أم بوليسية، والتي تقدمها له كل صباح، مع وجبة الإفطار، صحافة مرتبطة بجميع الحقارات.
ليس هذا بحثاً. وهو لا يقنع بأن يكون أقل من احتجاج. إنه شيءٌ طموح. شيءٌ يهدف إلى استفزاز الناس الغارقين في الأكذوبة، إلى إضفاء معنى وغاية وأهمية متواصلة على تقزز عابر، على شعور وقتي بالغثيان. فالقيم التي تحكم مفهومنا للحياة والتي تحفظ لنا، هنا وهناك، جزراً من الأمل وفسحات من الكرامة، يجري تخريبها بشكل منهجي عن طريق أحداث يدعوننا، علاوة على ذلك، إلى أن نرى فيها انتصارنا، وإلى أن نرحب فيها بالتدمير الأبدي الذي يمارسه تنين لا يكف البتة عن النهوض من موته. إلاَّ أنه بقدر ما يتكرر المشهد، ألا يذهلنكم التحول الذي يحدث في السمات المميزة للبطل؟
غير أن من اليسير عليكم أن تلاحظوا أن مارجرجس، عند كل جولة صراع جديدة، يتحول دون توقف أكثر فأكثر إلى اكتساب خصائص التنين. وسرعان ما يكف مار جرجس عن أن يكون شيئاً آخر غير نسخة بشعة من التنين. وسرعان أيضاً ما يحاول التنين المقَنَّعُ إقناعنا، بضربة حربة، بأن إمبراطورية الشر قد سويت بالتراب!
إن الثامن من أغسطس سوف يظل في نظر البعض تاريخاً لا يغتفر. أحد مواعيد العار الكبرى التي ضربها التاريخ. إن الصحف تتحدث بتلذذ عن آثار القنبلة الذرية، أداة السجال في المستقبل بين شعب وشعب. وتعلن نشرات الأخبار الإذاعية المسائية دخول الاتحاد السوفييتي الحرب ضد أشلاء وخرائب اليابان. هذان حدثان، يتفاوت ثقلهما دون ريب، لكنهما يشتركان في الفظاعة ذاتها.
قبل عشر سنوات، وقف الرأي العام العالمي وقد انتابه الهلع كي يعبر عن احتجاجه على استخدام غاز الخردل من جانب الطيارين الفاشيين الذين أُطلِقوا على أثيوبيا. وكان قصف قرية جرنيكا، التي سوتها الأسراب الألمانية بالتراب في إسبانيا، كافياً لأن يُعبِّئ – في عالم كان لا يزال فخوراً بحريته – ملايين الضمائر الحية. وعندما مزقت القنابل الفاشية لندن، بدورها، كان واضحاً على أي جانب من الحريق تقع القيم التي يتوجب الدفاع عنها. ثم رووا لنا كيف اكتوت هامبورج بالنار نفسها التي اكتوت بها لندن، وشرحوا لنا مآثر تقنية جديدة للقصف تدعى بـ “القصف الإشباعي” والتي وُعِدَت بفضله مناطق حضرية ضخمة بأن تسوى تسوية مؤكدة بالتراب. وليس في هذه الأساليب المتقنة، هذه التحديثات الفائقة في مجال القتل، ما يمكنه الإعلاء من شأن قضية الحرية، انعتاق الإنسان. ولقد كنا أكثر ميلاً من غيرنا، هنا، وفي بريطانيا العظمى، وفي أمريكا، إلى اعتبارها بشعة بشاعة مختلف أشكال الويل التي ابتدعها النازيون. ففي يوم من الأيام، يكون “التنظيف” عن طريق غارة من غارات الرعب من نصيب مدينة بأكملها. وفي اليوم التالي، يكون شلل الموت من نصيب محطة سكك حديدية يتكدس فيها آلاف اللاجئين، وذلك بفضل جهاز تصويب علمي متفوق. وهذه الألعاب اللا إنسانية تبدو فجأة مثيرة للسخرية، مع دخول القنبلة الذرية ميدان الخدمة ومع قيام القاذفات الديموقراطية بإذاقة الشعب الياباني فضائلها جرعة واحدة! إذ ما الأهمية التي يتميز بها في الواقع اغتيال عدة عشرات من الآلاف، أو عدة مئات من الآلاف من المدنيين اليابانيين، عن سبق عمد وإصرار. إن الجميع يعرفون أن اليابانيين صُفر وبمزيد من الوقاحة، صفر أشرار – حيث يُعتبر الصينيون صُفراً “أخياراً”. ألم تعلن شخصية ليست من “مجرمي الحرب”، بل هو الأميرال ويليام هالساي: “إننا بسبيلنا إلى حرق وتمشيط هذه القردة اليابانية البهيمية عبر كل منطقة المحيط الهادئ، وإننا لنشعر بفرحة لدى حرقهم تفوق تماماً لذة إغراقهم”. إن هذه الكلمات الحماسية والتأكيدية فيما يتعلق بالفكرة التي يود القادة العسكريون تكوينها عن الكرامة الإنسانية، هذه الكلمات قد قيلت أمام أحد معدي أحداث الساعة…
إن مارجرجس يتطاول تطاولاً زائداً عن الحد. وهو يبدأ في الظهور أمامنا بمظهر أدعى للتقزز من مظهر التنين.
*
وعند المرحلة التي ساقتنا إليها التطورات السياسية والحربية الأخيرة، فمما لا غنى عنه التأكيد على أن مشروعية أية قضية يجب أن تتحدد بشكل أساسي، وبالدرجة الأولى، من زاوية الوسائل التي تستخدمها. مما لا غنى عنه، حرصاً على القضايا التي لا تزال تغامر بالتذرع بخير الإنسان، تحديد جدول بالوسائل التي ليس من شأنها طمس الغاية المنشودة. إن اللجوء إلى النميمة في مواجهة ضرورة عابرة، إنما يترجم نفسه، في وقت قصير، إلى إدارة للنميمة. وسرعان ما يتكون لدى فريق من المواطنين، طبع نميمي، – ولدى الفريق الآخر، وسواس نميمي. ولو أردتم تحويل المناقشة صوب الغايات النهائية التي يزعم كل واحد أنه يسعى إليها فإن المرء سوف يستيقظ، وسوف يفتش البسطة ومظهر السُّلَّم. وسوف يغلق الباب بعد ذلك مرتين ولن يعبر عن نفسه إلاَّ بعبارات محسوبة ووفقاً لحالة روحية أصبحت أكاديمية بصورة مفاجئة. إن الوسيلة تنتقل إلى حالة المؤسسة. إنها تشطر حياة أمة، وحياة كل إنسان إلى شطرين. والشيء نفسه يحدث فيما يتعلق بالوسائل الأخرى المخصصة للعدو بهدف التغلب عليه وتدميره إلى أقصى حد ولكن التي يتبين – عند الانتصار – أنها قد رُفعت إلى مصاف تشوهات قومية، عاهات ثقافية تجري حمايتها بعناية ضد تمردات العقل المحتملة. وهكذا فإن عبادة صوابية الزعيم، والتعزز الجنوني للمراتبيات الزائفة، والتسلط على جميع مصادر المعلومات وجميع وسائل النشر والتنظيم المسعور لأكاذيب الدولة طوال ساعات النهار والليل، والإرهاب البوليسي المنفلت ضد المواطنين المحتفظين بيقظة وعيهم النسبية – كل ذلك يصبح أشكالاً معترفاً بها اعترافاً هاماً للتقدم السياسي والاجتماعي!. وإنه لعلى وجه التحديد ضد إجماع قوي كهذا على استمرارية الضلالات يجب أن نكرر على أنفسنا، بلا هوادة، الحقيقة الواضحة التالية:
إن البروليتاريا لا يمكنها أن تحلم بالصعود باللجوء إلى الوسائل التي ينحدر أعداؤها باللجوء إليها. إن نوعاً من الاشتراكية يدين بقيامه لمعجزات الدس، والنميمة، والابتزاز السياسي والاحتيال الايديولوجي، سوف ينخر السوس في أساسه بسبب وسائل انتصاره ذاتها، وسوف يكون الإنسان والشعوب مفرطة في حسن النية لو انتظرت منه شيئاً غير تغيير للدياجير.
في الثامن من أغسطس 1945، بينما كان لا يزال ينزف الجرح المفتوح في هيروشيما، المدينة – الشهيدة التي وقع عليها الاختيار لتفجير القنبلة الذرية الأولى، وجهت روسيا ستالين إلى اليابان طعنة الخنجر الشهيرة في الظهر والتي تعود براءة اختراعها إلى موسوليني. ولا بد أن هذا الأخير قد عذبه التقلب في قبره وهو يرى في رقاده مصير حقوق المؤلف. ذلك أنهم لم يكتفوا بانتحال مفاخره المأثورة، بل أرادوا إضافة مساهمتهم التاريخية الخاصة. إن نص إعلان الحرب السوفييتي يحيطنا علماً في الواقع بأن هذا الدخول في الحرب من جانب الاتحاد السوفييتي لا يهدف إلاَّ إلى “إنهاء الحرب في أقرب وقت” و”المحافظة على الأرواح البشرية”! دعوا جانباً الوسائل الحقيرة، – هاكم إذاً غاية في حد ذاتها، غاية لا يمكن لأحد أن يجادل في أن من الصعب أن نجد لنبلها مثيلاً. وعلى مدى قرون قادمة، سوف يجد الشعراء الغنائيون الستالينيون في منغوليا الخارجية متسعاً للإسهاب في الحديث عن الطابع السلمي والإنساني لقرار المعلم.
إن الثامن من أغسطس 1945 هو أحد أحط التواريخ في المسيرة الإنسانية.
عن الحروب العادلة وخطر كسبها
قبل أن يُدفع العالم إلى النضال ضد الفاشية بعدة سنوات، استعر أوار مناقشات حادة في صفوف الحركات اليسارية بين أتباع المسالمة المبدئية والمناضلين الداعين إلى نضال حتى الموت ضد الطغيان. وكان من بين الموضوعات التي تعاود الظهور دائماً في هذا التبادل الطويل للأفكار والحجج، موضوع “الحروب العادلة”. وقد اجتهد المسالمون المبدئيون، بمهارة لم تكن شريفة دائماً، في إثبات أنه لا توجد حروب عادلة. وقد ذهبوا إلى الادعاء بأن مكافحة الطغيان عن طريق الحرب إنما تعني الاستسلام بملء الإرادة لطغيان جهاز عسكري يستحيل كبح جماحه، ولقوانين استثنائية لا تعرف الرحمة، ولسياسيين حائزين لأكثر السلطات تعسفاً ومعفيين بهذه الدرجة أو تلك من تقديم حساب عنها. ويقول لنا منظرو المسالمة المبدئية، دون أن ينجحوا في إقناعنا، إن الحروب بصفتها هذه وفي حد ذاتها إنما تشكل طغياناً لا يقل عسفاً عما تعرضون تقويضه باللجوء إليها.
إنهم مخطئون، فهناك حروب عادلة. لكن ما يميز الحروب العادلة أنها لا تظل عادلة لوقت طويل.
لا ننسين أن الحروب “العادلة”، إن كانت تنتج أشخاصاً من طراز هوش ومن طراز مارسو، فإنها تنتج أيضاً أشخاصاً من طراز بونابرت، وهو ما يعد، بالنسبة لها، طريقة شيطانية بوجه خاص للكف عن أن تكون عادلة. لكن الحرب “العادلة”، من جهة أخرى – وفي غياب كل بونابرت عن الأفق – إنما تتميز بحملات قطع طريق عادية، من حيث أنها تفرض على من يتحملون مسؤوليتها إيقاعاً ومقتضيات يصعب عليهم احتمالها. وللإبقاء على يقظة مشروع قائم على الحماسة الشعبية، لا بد أن تكون لدى القيادات المسؤولة عن مسار الحرب الجرأة الواضحة على أن تترك للقوى المُحرِّكة التي تعتمد عليها طابعها المميز لجماهير متحرقة، – لجماهير في صيرورة سافرة وواعية بمعنى زخمها. لكن القاعدة الملحة عند قادة الشعوب – بل غالباً عند أولئك الذين يبدو أنهم قد جاءوا مباشرة من خط النار أو من اجتماع في مصنع – هي استخدام ثقلهم المراتبي في إعادة القوى المُحرِّكة التي تفوض أمرها إليهم إلى الأطر التقليدية لبلد في حالة حرب. وعندما أقول “الأطر التقليدية”، فإنني أعني تجزئة الحقيقة، تجزئة الحماسة، تجزئة المثل الأعلى. إنني أعني الضبط المتعسف للقوى المُحرِّكة للأمة، بناء على أمر من أولئك الذين يخافون في “حركة” اليوم من “انقلاب” الغد. وهذه الأطر التقليدية – الأقنعة البسيطة التي توضع على وجه هذه الحرب أو تلك لإخفاء مظهرها الأصيل ولجعلها مماثلة لجميع الحروب الأخرى – يمكن استعارتها من أرشيفات المتحف الحربي تارة، ومن ممارسات العدو تارة أخرى. وهذا يسمى: في الحالة الأولى “استلهام عبر الماضي”، وفي الحالة الأخيرة “الاستفادة مما يعلمك إياه خصمك”.
والحال أن هذا التشويه الجاري للقيم الحية، والذي يتوافر الاستعداد دائماً لتغليفه في صيغ طقسية عتيقة كما في كفن، هذا النقل لأساليب العدو وعاداته الذهنية إلى معسكر العدالة، لا يقدم لنا سياقُ الحربِ ضد الفاشية غير المزيد من الأمثلة له. وإنني لأتذكر بوضوح أن البلاغ العسكري السوفييتي الأول قد اختتم بالإشارة إلى جندي ألماني، أشير إليه باسمه، لجأ إلى موقع روسي معلناً أنه لا يريد حمل السلاح ضد دولة بروليتارية. والحال أن هذه العبارة وحدها في البلاغ قد دوت، أمام التاريخ، دوياً أقوى من دوي مآثر العتاد الحربي التي سبقتها أو التي تلتها. فقد دلت، فوق قصف المعارك، على أن إخاء الكادحين يعلو ويجب أن يعلو على انقسام الناس إلى جماعات عرقية وقومية. وفي ذلك يكمن الخير الذي يجب صونه بين الجميع، – الفضيلة القادرة على كسر الأطر المسوسة للحرب بين الأمم. إلاَّ أنه أعيد جر وغواية الكادحين، مرة أخرى، صوب الأطر التقليدية. فبدلاً من الإشادة بالبطال الشعبيين الروس والألمان الذين تلاقوا عبر التاريخ في نضالات تحريرية واحدة، نجد أن أجهزة الدعاية السوفييتية سرعان ما تجد لذة في هوس شنيع لا تنبثق منه غير رموز من أسوأ الرموز في تاريخ روسيا. فقد عرف الأمير ألكسندر نيفسكي من جديد كل هالات المجد لأنه كان من حسن حظه أن يتمكن في عام 1242 من إلحاق الهزيمة بفرسان الأخوية التيوتونية. وفي مقابل ذلك، جرى التقليل من شأن ذكرى بوجاتشيف وستينكا رازين – المدافعين الأسطوريين عن القضية الفلاحية – لأنه قد رؤي أن هاتين الشخصيتين قد أذاقا سلطات زمانهما الكثير من الهوان. وهكذا، فعندما تحدث ستالين في السابع من نوفمبر 1941 إلى جنود الجيش الأحمر، نجد أنه قد ضرب لهم أمثلة سابقة غريبة لاستثارة حميتهم. لقد قال لهم: ” فلتستلهموا مثل البواسل من أجدادكم: ألكسندر نيفسكي، ديمتري دونسكوي، كوزما مينين، ديمتري بوجارسكي، ألكسندر سوفوروف، ميخائيل كوتوزوف”.(1)
والحال أن بطولة الأسلاف لم يكن لها، في أي جيش، تأثير كبير على معنويات الجنود. إلاَّ أنه فيما يتعلق بالأسلاف الذين حولهم ستالين إلى أيقونات والذين قُدِّموا إلى الجماهير لكي تحتضنهم في ورع، فإنه لم يوجد بينهم سلف واحد لم يلعب دوراً رجعياً ومقيتاً بالقياس إلى نضالات الشعب الروسي من أجل التخلص من تعاسته. أَمَّا أن يوجد حرص على حرف المخيلة البطولية للمدافعين عن الاتحاد السوفييتي صوب أسماء كهذه، فذلك هو ما يصيب بمرض الشيخوخة حرباً ينتظر البعض منها تحسين أحوال العالم.
وكان لا بد للتتمة من أن تكون على مستوى هذه البداية. فقد جر بعث ألكسندر نيفسكي إلى تعديل تاريخ ثمانية قرون من التاريخ الأوروبي. وعندما لجأ ستالين إلى الاستعارة من العدو بعد أن استعار من الماضي، فإنه قد طرح في مواجهة النظرية الهتلرية الخاصة بتعبئة أوروبا ضد الزحف الآسيوي عودة خالصة وبسيطة إلى أسخف صور الجامعة السلافية. والحال أن مناقشات مختلف مؤتمرات الجامعة السلافية التي نظمت خلال هذه الحرب، بمبادرة من موسكو، لم تثر غير نفور الذكاء شأنها في ذلك شأن إذاعات راديو برلين.
إن تطور أوروبا الطويل ما عاد يبدو غير ستار لانقسامات عنصرية، – موضوعاً لنزاع متجدد أبداً بين السلاف والجيرمان. وقد كرس مؤتمر الجامعة السلافية الأخير (صوفيا، فبراير 1945) وجود كتلة سلافية وارثة لاتحاد تأكد عبر قرون من المعارك ويرجع انتصار جرونفالد (1410) الذي أحرزته الجيوش السلافية الموحدة ضد الجيرمان. وهكذا انتهينا إلى انقضاض كتلة ضد كتلة، جنس ضد جنس، جنون ضد جنون! وهكذا فإن الحروب “العادلة” لا تصمد طويلاً أمام العدوى الشائنة للأفكار التي كان يرجى منها أن تستأصل شأفتها.(2)
إنني أقول إننا نشهد الآن تغلغلاً للسلوك السياسي الهتلري في صفوف الديموقراطية. وهذا التغلغل لا يثير استنكار أحد تقريباً. إن كثيرين من الناس يجدون فيه منفعتهم المادية وراحتهم الأدبية. وهذا التغلغل ينتشر في جميع الصحف، وفي جميع الأخبار التي تصلنا عن المصير الذي يستعدون لرسمه للعالم. وعلى سبيل المثال، فإن ضم الأراضي دون موافقة السكان المسبقة كان يُعتبر بشكل عام عدواناً على القانون، ينبع من الجنون الإمبريالي المسيطر على أمثال هتلر. والحال أننا نرى اليوم أن الموضوع يثار بشكل مختلف تماماً ومن زاوية المنفعة القومية وحدها، إذ تعلن قوة من القوى: إن هذا الميناء نافع لي تماماً وأودُّ أن يكون من نصيبي، – وإذا ما اعتُرِض عليها بأن هذا الميناء كان على الدوام جزءاً من وحدة قومية أخرى، فإنها سوف ترد بأن ذلك محتمل، لكنها تحتاج إليه احتياجاً شديداً وأن انتصارها يمنحها الحق في هذا الاختلاس الصغير. والحال أن الأمر لا يخص من الآن فصاعداً ميناء أو مدينة معزولة، بل مجموعات شاسعة من الأراضي التي أصبحت متحركة وجاهزة تماماً لتغيير المالك بين عشية وضحاها.
أما نقل السكان فقد كان هو الآخر عملية وحشية لا تسمح لنفسها باللجوء إليها سوى أنظمة العنف. والحال أنه يجري النظر اليوم في هذه التحويلات على نطاق ليس أدنى من نطاق حملات النازية السوداء، وهنا، أدع الكلام للويس كلير، أحد المراسلين الرئيسيين لمجلة “بوليتيكس” الأمريكية والذي تساعدنا قوة غضبه على الشعور بأننا لا نزال أحياء:
“يجري الآن نقل الشعوب كالماشية. إذا ما أعطيتموني 500,000 من الألمان – السوديت، فسوف أكون مستعداً لأن أعيد لكم عدداً مساوياً من سكان التيرول، ربما أمكن لنا مبادلة عدد من الألمان بآلات ومعدات. لقد أطلق هتلر، هنا أيضاً، آلية بسبيلها إلى أن تكتسب أبعاداً مقلقة… إن التهور الذي تتنازع به القوى المنتصرة على السلعة الوحيدة التي لا تزال، رغم تحسينات التقنية، السلعة المطلوبة أكثر مما في أي وقت مضى – عمل العبد – هو شيء فاجر حقاً”(3)
لقد تم كسب حرب. ولكن هل من المؤكد بالمثل أن هتلر قد خسر حربه؟
“عدم وجود الأفضل…”
عندما يتساءل المرء عن الأسباب التي تميل إلى تحويل حرب “عادلة” إلى حرب عادية، إلى مجرد حرب، وبشكل أعم، عندما يتساءل عن الأسباب التي تحرم الجماهير من الإمساك بزمام القضايا السامية التي يكرس نفسها لها، فإنه سرعان ما يجد نفسه حبيساً في حلقة جنونية. فالواقع، من ناحية، أن اتساع وتركز الحياة الاقتصادية الحديثة قد جعل من كل حزب، ومن كل نقابة، ومن كل إدارة، أجهزة شبه شمولية تمشي في طريقها متخلية عن ثقلها النوعي ولا ترجع البتة إلى الخلايا الفردية التي تتشكل منها. وهذه الأحزاب، وهذه النقابات، وهذه الإدارات الدولانية الحديثة يحميها من مناهج العقل النقدي (وكذلك من الخفقات الشعورية والتمردات القلبية) خمولها الوحيد وذو السيادة. فهذه الأبنية المخيبة تعمل بفضل إنسانية من نوع خاص تماماً، إنسانية مؤلفة من الملقنين. وحتى يسمح للمرء بتقديم اقتراح في ختام مؤتمر حزبي لحزب من أحزاب اليسار يسمح بدرجة ما من درجات تبادل الآراء، لابد من سنة من المناورات الحرجة للغاية عبر متاهة من الأمانات ومن اللجان التي تُذَكِّرُ على نحو يثير الالتباس بألغاز المحكمة التي يصعب الوصول إليها حيث يسمح كافكا – في “القضية” – بارتجاف صورة عذابنا المنعكسة أبداً. وإذا ما أمكن التغلب بشكل مؤات على هذه المحن التجريبية، إذا لم تتوصل أية خطوة زائفة إلى معارضة طرح الاقتراح، فمما لاشك فيه أن هدفه سوف يُطمَس طمساً كافياً بحيث يكف عن استثارة ما هو أكثر من اهتمام استرجاعي وما يشبه الرثاء لأولئك الذين غامروا بتأييده.
ومن ناحية أخرى، فإن المواطنين الأذكياء والنشطاء، وبدرجة أفضل، الأفراد الذين يتمتعون بمكانة ثقافية معينة، والذين سوف يحاولون التدخل بهدف تصحيح تَوَجُّهْ حزب، أو نقابة أوحكومة، يدركون جيداً أن هذه الأجهزة المختلفة لديها الوسائل لكي تنسج حولهم شركاً قاتلاً – شركاً من الصمت الذي لن يتأخر عن عزلهم عن الحياة العامة برمتها. وشرك الصمت هذا مضروب دوماً على عدد من أروع عقول المجتمع السوفييتي، – من الكتاب، والعلماء والصحافيين والمناضلين، وهو يحاصر بشكل متزايد، في أوروبا وأمريكا، عقولاً أخرى، مقاومة ونقية، عاشقة دونما حد للحرية…
وهناك ما هو أسوأ بالنسبة للإنسان المتحضر من أن يفقد سيطرته على الأجهزة التي تمثله وتتصرف باسمه. ذلك هو الاستسلام لهذا الفقد. وهو استسلام تبينه لنا علامات لا حصر لها وصارخة. استسلام نميزه – في الحرب كما في السلم – في الموقف السائد لأشخاص موهوبين، مثقفين ومدفوعين إلى الفعل، – ومن ثم مستغرقين في هزيمتهم الخاصة. هذا الاستسلام يعبر عن نفسه بثلاث كلمات: “عدم وجود الأفضل…”
فإذا ما انضم المرء إلى الحزب الشيوعي (أو أي حزب آخر…) دون أن يكون متأكداً تماماً من سياسته الحالية وسياسته في المستقبل، فإن ذلك بسبب “عدم وجود الأفضل”… وإذا ما انتهى المرء بالتكيف مع إعادة اقتسام المناطق، والتي يعترف بأنها لن تجلب المسرة ولا الرخاء للشعوب، فمرجع ذلك هو “عدم وجود الأفضل”… وإذا ما صوت المرء لصالح مرشح يثير جانبه الأخلاقي التقزز وتبدو صلابته السياسية مشكوكاً فيها، فمرجع ذلك هو “عدم وجود للأفضل”. وإذا ما اشترك المرء في صحيفة تضحي بحرصها على الحقيقة من أجل اعتبارات إعلانية أو تجارية، فمرجع ذلك هو “عدم وجود للأفضل”…
وتلك المرأة التي يقبلها المرء منقبضاً وهو يغمغم بإيماءات أبدية: “عدم وجود للأفضل”. وتلك السينما التي يغرق المرء فيها مطأطأ الرأس، لخصم ساعة من الوجود على ظهر الأرض: “عدم وجود للأفضل”. وذلك الكتاب الذي يركز عليه المرء لأنه نال جائزة، بينما يدعوك كل داع إلى استفراغ محتواه: “عدم وجود للأفضل”. وذلك الرئيس الجليل الذي يهرع المرء إلى عبادته متأوهاً وقد تشبع ببرنامج جلاله الفني “عدم وجود للأفضل”…
إن “عدم وجود الأفضل” يصبح استثماراً، فلسفة، حالة أهلية، سيداً، نزوة، دليل براءة مسبقاً من ارتكاب جريمة، صلاة، سلاحاً، مومساً، شهقة أو زفرة، قاعة انتظار، فريرة، فن تصدق على الذات، بوصلة للمراوحة في المكان، شاهد قبر، 8 أغسطس 1945.
إن شخصين، متجاورين فكرياً، يسعهما من ثم أن يتهادما، فبما أن لديهما مفهوماً واضحاً عن “الأفضل”، وهذا “الأفضل” ينقصهما، فإنهما يرتدان إلى طريقتين متلاقيتين في الوجود التعويضي، إلى نسقين من المعتقدات والإيماءات المتلاقية عن “الأفضل” المشترك، وإن لم تكن متلاقية من الجهة نفسها.
وهكذا، فمن مقاربات إلى مقاربات، ومن استعاضات إلى استعاضات، يجد المرء نفسه مدفوعاً، دون أن يشعر، وبأدب، نحو ما لا يدري المرء أي ركن حقير تنمو فيه البراغيث… إن المرء يفزع، ولكن من بابا السهو. ليس ذلك سجناً، إنه منزل… والدنيا أكثر من ليلة واحدة… وعلى البعد، تصفر قطارات مؤذنة بالرحيل… ويجب على المرء أن يصيح وأن يستنفر حراساً وهميين… وغداً صباحاً، أين سيكون المرء بالنسبة إلى نفسه؟ هل ستسمحون له بمجرد المرور؟ نعم، بلا شك، سوف يسمحون لكم بالهرب، بأن تبنوا لكم في الكونغو حياة ثانية… حياة مبنية على أوتاد فوق المستنقعات بينما يوجد، في الظل، السرطان الظافر نفسه حيث تتصالح قوى الملل والهلع المريع من الحرية…
حق الرعب
إن كل شيء يجري، منذ قرنين، وكأن كل تذرع بالحرية، كل انتفاضة مميزة باسمها، تؤول إلى أن تترجم نفسها – عبر الأجهزة السياسية والدولانية المنبثقة أكثر قوة من هذه الانتقاضات – إلى تزايد في القواعد الكابحة التي يدين لها الإنسان باكماش تدريجي للحياة. إن جيلاً جديداً من الموسوعيين منطلقاً من الجرأة الهازئة نفسها التي انطلق منها الجيل السابق، سوف يُعتبر، اليوم، خارجاً على القانون أو أنه، على الأقل، سوف يجبر بسرعة على التسول.
كل شيء يجري وكأن الإنسان لم يبحث، في هذه السلسلة الطويلة من الطموحات سيئة الحظ، إلاَّ عن شكل معين للأمن في الرعب. ويبين لنا عمل إيريك فروم اللاذع والقاسي – “الخوف من الحرية” – إلى أية درجة يخشى الإنسان مواجهة الحرية، إلى أية درجة يترقب بفارغ الصبر التهرب من المسؤوليات التي تفرضها عليه، إلى أية درجة – في الظروف الحالية للفوضى – تعد الرمادية، والعتامية وعدم تسمية الأشياء بأسمائها ملاذات مشتهاة ضد إغراء الحرية.
وإلى هذا الاستعداد الفردي للكائن الذي حيره تعقيد العالم الذي يراوده، تقدم الأجهزة الجماعية الضخمة مساهمة حاسمة. لقد حددت، بالصرامة المطلوبة، هذا الحد الأدنى البائس من المواقف الإنسانية التي لا يسمح بتخطيها إلا بمخاطرات وأعباء الانتهاك.
وبوسع المواطن الصالح أن يشتري نوماً عميقاً مادامت القنبلة الذرية تحميه…
إن علامات الرعب المتصاعدة واضحة. وأولها حدة هو المحو التدريجي لحق اللجوء السياسي. إنها لفكرة سيئة أن يكون المرء لاجئاً سياسياً، من جراء هذه الأزمنة التي تقتل! ومنذ عام 1930، طورد ليون تروتسكي، كما لو كان خنزيراً برياً، عبر كل القارة الأوروبية، من تركيا إلى النرويج عبر باريس. ثم جاءت “فيشي” التي قامت دون أسف بتسليم بيترو نينني إلى إيطاليا، وبرايتشايلد إلى ألمانيا وكامبانيس إلى إسبانيا. لقد اختفت “فيشي” ولكن دون أن يختفي هذا الكره المتأصل لدى السلطات – ديموقراطية أو غير ديموقراطية – للاَّجئ السياسي، الأثر الأخير والجميل للتمرد الإنساني.
ومن علامات الرعب أيضاً، الترحيل المنظم للكادحين والذي لاشك في أنه يبلغ النهاية مع هزيمة النازية. ويتكفل الاقتصاديون بحساب المردود المتزايد للقطيع المقدم لهم كمادة تجريبية. والمؤشرات الدولية بحاجة إلى رسوم بيانية تتصاعد خطوطها! ومن علامات الرعب ابتلاع آلاف البشر في ليلة لا ينكشف فيها شيء. لقد رحلوا دون أن يتركوا عنواناً. لأن هناك غابة يتعين قطع أشجارها على ضفاف البحر الأبيض. ليحذر الهواة!
ومن دواعي الأسف الأخيرة أن المرء يشهد، في المجال الذي تَمَكَّنَ دائماً من الإفلات من ضغوط النظام المتعسفة في الماضي، في مجال الفكر الصدامي، مجال الفكر السياسي، الذي كان لا يزال حتى البارحة رسولاً للأمل، تكيفاً غريباً مع الانضباط الوحشي والباطل الذي يرتسم تحت بصرنا. ويشهد على ذلك الجبن المحرَج لمجلة مثل “لابنسيه” والتي كانت تعبر، قبل الحرب، عن حب مثير للمعرفة بكافة أشكال الصيرورة العلمية والاجتماعية، وكانت تثير بِنَفَسٍ متسائلٍ مشكلات جوهرية كانت قد طرحتها بالفعل الشيخوخةُ العامةُ لمجتمعٍ لا يتسامح بالمرة مع ممانعة الناس في الوصول إلى الشيخوخة معه. إن الأسماء الكبيرة التي ترعى “لابنسيه” لم تعد ترعى، في عام 1945، غير توافق صيغ استاتيكية ومحاكمات عقلية محبطة. إن المرء يجد نفسه في حضرة مجلة يبدو أن مهمتها هي أن تقول لنا إن الفكر الماركسي قد وصل إلى الركود، فهو يتحول اليوم إلى قوة، بدلاً من أن تتغلب على الكابوس المعاصر، وبدلاً من أن ترسم دروبها المضيئة الهادية، تدع هذا الكابوس يترسب في قارورة أمان معملية، حيث لا يجب الخوف في الوقت الحاضر من أي انفصال متفجر بين القابل للحياة وغير القابل للحياة، بين ما هو مُحَرِّكٌ وماهو مثبط، بين ما يتميز بالحالية وما فقد الأهلية. ومن ناحية أخرى، ألا نرى أن أراجون يلح، في مقالٍ مدوٍ، على سحب كتب السيد شارل مورا من مكتبات فرنسا؟ يبدو أن صاحب دعوة كهذه لا يأخذ بعين الاعتبار أنه يرتكب بذلك عملاً من أعمال الانهزامية قياساً إلى ما يجب أن تكون عليه قوة جاذبية رسالته السياسية هو. ويجب علينا أن نؤمن أن مورا وهو نفسه يحتلان موقعين يناظر أحدهما الآخر، ولما كانا قد تخليا عن الانفصال أحدهما عن الآخر بالاحتكام إلى العقل، فإنهما قد وضعا نفسيهما، الواحد بعد الآخر، رهن تحكيم رجال الشرطة الذي لا يليق. وهكذا فإن الرعب عندما لا يعمل جهاراً، فإنه يظل على الدوام كامناً، على سطح الجدل، مستعداً لتلبية الدعاء الأول، النداء الأول لأحد رعاياه المخلصين.
أما فيما يتعلق بالأفراد الفريدين – خاصة بعض فئات المثقفين والكتاب – الذين لا يزالون غير مستعدين لقبول العيش وفق المسار السائد – فإنهم، هم أيضاً، تتخطفهم رياح الرعب. إن أملهم الوحيد هو قلب مسار هذه الرياح، أي أن يمارسوا، هم، الرعب. إن من يستولي على مخيلتهم ليس جيد أو بريتون، بل لورانس الجزيرة العربية ومالرو الفترة الصينية. وبالنسبة لمعظمهم، فإنهم قد أحبوا هذه الحرب لأنها قد سمحت لهم بالتصرف حسب الأصول مع أنفسهم عن طريق قلب قطار، أو نسف جسر قبل العودة إلى بيوتهم، إلى عشيقاتهم المنهكات وإلى روتينهم اليومي الأمين والذي يتمثل في ترديد حكايات مؤثرة. إن المثقف المعاصر لا يطلب، من حيث الجوهر، بقشيشاً آخر، من عالم لم يعد لديه شرف لرفضه، غير أن يمثل، ولو في فصل واحد، دور مغامر على هامش الكل، غير أن يستعيد بهذه الخدعة المتجاوبة مع نداء باطني جانباً من الزخم الذي حرمته منه الحياة الاجتماعية.
القيد
في هذا الانزلاق الجماعي صوب حالة أمن في الرعب، من الذي سوف يكسر القيد؟ من الذي سوف يحكم بالعدل على ذلك الذي اعتاد الناس اعتباره حقاً لهم في الرعب وشيئاً يكاد يكون تتويجاً طبيعياً لطموحاتهم القديمة في الحرية؟
من المؤكد أنه ليس حزباً سياسياً، ولا أية منظمة من المنظمات الشمولية المكلفة بحراسة الإنسان، ليس حزباً، ولكن ربما فصيلة جديدة من الأنصار المقاومين الذين سوف يهجرون طرق التحريض الكلاسيكية ويلجأون إلى اجتراح مآثر اضطراب مثالية إلى أعلى درجة. لقد تمنى الكثيرون أن تتمكن حركة المقاومة في أوروبا من أن تحدث أخيراً ثغرة في المأزق السياسي والاجتماعي لعصرنا. وكانت الأحزاب الجماهيرية الكبيرة هي أول من تحسس هذا الخطر. ماذا، هل يستعدون للاستغناء عن خدماتها؟ هل تتجرأ الإرادة الشعبية الآن على الاستغناء عن الوسيط؟ كان الإنذار قصير الأجل. ومثلما جرى على وجه السرعة دمج القوى العسكرية للمقاومة في الأطر الدائمة للجيش، – فإن قواها السياسية لن تتأخر، مع امتزاج الغزل بالدس، عن العودة إلى فخ الأحزاب الكبيرة. إن الحدث – كدت أقول الحادثة – قد اكتمل. لكن شيئاً آخر يصبح ممكناً، بل يصبح الشيء الممكن الوحيد، إن عصر حرب المقاومة السياسية يبدأ ونحوها يجب أن تتجه أرصدتنا من الثقة والحماسة.
ومما لاشك فيه أنه ليس من السهل إعلان الشكل الذي سوف تتخذه حرب المقاومة هذه والمآثر التي لا مفر من أن تميزها. على أن بوسع المرء أن يعتبر الموقف المستقل استقلالاً شجاعاً والذي يتخذه كامي – وعلى أصعدة أخرى، بريتون، كالاس، روجمون – مؤشراً بالنسبة للمستقبل. إن جهاز الرعب لا يزال بعيداً عن أن يكون خالياً من الترددات ومن الانشطارات. ولذا فعندما يكون هذا الجهاز أكثر تهديداً – وبقدر تهديداته المتجددة – يجب أن تهب كل روح الرفض لدينا، كل ما في العالم، في لحظة معينة، من بَشَرٍ في حالة رفض، وأن يحدث ذلك بشكل مدو! وأن يرتسم ذلك على شكل أمثلة مثيرة للقلق في وجدان الجماهير! وأن ينتقل ذلك وينتشر عبر السهب البشري الواسع، من خلال آثار عظمة معدية!
عند هذه النقطة، أسمع انفجار الاستهزاءات القاتلة: “ما خطبك! إنك تسعى إلى الإساءة إلى الأحزاب السياسية، إلى تقويض هيبتها، إلى التشهير بعملها، – ومن ثم فإنك تواصل العمل الخبيث لفاشيي ما قبل وما بعد الفاشية هؤلاء، الذين يثيرون الشبهات حول كل أدوات الخلاص والتقدم!”. والواقع أنني لا أواصل شيئاً، ولا أرغب في مواصلة شيء غير منطق معين للحرية. إن الظاهرة الفاشية، منظوراً إليها من زاوية تطور الأحزاب، لم تساعد إلاَّ على أن تعجل بشكل حاسم تطور الجذام المعنوي والمادي الذي يصيب المؤسسات “اليسارية” القوية التي يضيع فيها صوت الجماهير بالسهولة نفسها تقريباً التي يضيع فيها صوت الأفراد. إن الهدف الأخير لحرب المقاومة الدائرة الآن ليس هو القضاء على الأحزاب لحساب نسق جديد ما لممارسة الحياة السياسية، بل هو تجريد الأحزاب من احتكار الفكر الاجتماعي الذي يهمد في لجانها الدراسية، إنه تجريدها في المجال الايديولوجي، من حق المبادرة الذي تتمسك به خاصة وأنها عازمة تماماً على ألاَّ تستفيد به إلاَّ الاستفادة الأكثر خسة، الأكثر خبثاً. إن المسألة هي، لتدارك المشكلة قدر الإمكان، اختزال الأحزاب إلى حالة متفتحة خالصة فيما يتعلق ببلورة الأفكار وبحركتها العامة، وحالة إدارية خالصة فيما يتعلق بتنفيذ هذه الأفكار. وباختصار، المسألة هي دفع الأحزاب إلى الاعتراف بالبؤر الايديولوجية التي تنشأ خارجها وإلى أن توجه نحو الفعل العملي كل شيء صالح ينبثق من الجيشان الذي يحاط بالرعاية على هذا النحو. على أنه لابد من الحذر: فالحالة الموضوعية للأحزاب قد تغيرت تغيراً ملحوظاً منذ عشرين سنة. إنها تميل كلها إلى أن تصبح أجهزة شبه دولانية، ملحقات للدولة. وعين فكرة – ووظيفة – الحزب المعارض تتأثر تأثراً قاتلاً بهذا التغير. ففي انجلترا، وفي الولايات المتحدة، وفي فرنسا، وفي بلجيكا، غالباً ما تكون المعارضة متضامنة مع السلطات، بحيث أنها لا تشكل عدواً لها. ولابد أن تتطابق مع هذه القاعدة الجديدة للأحزاب التزامات أكثر وضوحاً على الدوام بالنسبة إلى فدائيي الفكر. وأول هذه الالتزامات هو تحويل الأنشطة الايديولوجية إلى بؤر غريبة عن تقلبات الأحزاب وعن إدراجها التدريجي في أطر الدولة. لكن الشيء الأهم هو أن حرب المقاومة هذه لن يكون لها تأثير متواصل إلاَّ بقدر ما تتمكن من أن تشجع، في نضالها ضد البراجماتية والبيروقراطية للأحزاب، سباحة في تيارات اليوتوبيا الزكية، وتجديداً للتأمل الطوباوي بكل ما يستوجبه مما هو مثالي ومفرح.
لقد كان بوسعنا، قبل عشر سنوات من ذلك، أن نأخذ كشعار لحشد القوى كلماتٍ ككلمات نيكولاي بوخارين، المفكر قبل الأخير بين مفكري الاشتراكية الكبار:
“إن تحليلاً لمجريات الأمور الواقعية يدفعنا إلى أن نستشف، ليس موت المجتمع. بل موت شكله التاريخي الملموس وانتقالاً حتمياً إلى المجتمع الاشتراكي، انتقالاً بدأ بالفعل، انتقالاً نحو هيكل اجتماعي أرقى، ولا يتعلق الأمر بمجرد انتقال إلى أسلوب أرقى للحياة، وإنما أرقى على وجه التحديد من الأسلوب الذي هو اليوم أسلوبها. فهل يمكن الكلام عن هذا الشكل الاجتماعي الأرقى بوجه عام؟ ألن يجرنا ذلك صوب الذاتية؟ وهل يمكن الحديث عن معايير موضوعية من أي نوع في هذا المجال؟ إننا نعتقد ذلك. ففي المجال المادي يتمثل معيار كهذا في قوة مردود العمل الاجتماعي وفي تطور هذا المردود، لأن ذلك يحدد مقدار العمل الفائض الذي يعتمد عليه مجمل الثقافة الروحية. وفي مجال العلاقات الإنسانية المباشرة، يتمثل معيار كهذا في اتساع مجال انتقاء المواهب الإبداعية. وعلى وجه التحديد، فعندما يكون مردود الانتقاء واسعاً جداً، سوف يتحدد الحد الأقصى من إثراء الحياة الداخلي لدى أكثر عدد من الناس، ليس بوصفهم مجموعاً حسابياً، وإنما بوصفهم كلاً حياً، جماعة اجتماعية.”(4)
واليوم لا يسعنا إلاَّ أن نتساءل أين ذلك “الإثراء الداخلي للحياة لدى أكثر عدد من الناس”؟ مما يؤسف له أنه لاشك في أن الطريق الذي اجتيز منذ أبريل 1936، أي منذ أن ألهمتنا هذه الكلمات الأمل، لم يؤدِّ إلاَّ إلى إبعادنا عن هذه المنظورات البوخارينية، لم يؤدِّ إلاَّ إلى التمكين، خطوة خطوة، لانبثاق اتباعية صارمة تختزل “الحياة الداخلية” إلى تعبيرها الأكثر وضاعة والأكثر جبناً.
ولاشك أنه قد جرت الاستعاضة عن هذا المعيار الخاص بـ “الإثراء الداخلي” بالمعيار المعاكس، ولن نكون بحاجة لذلك إلاَّ إلى دليل واحد بين آلاف الأدلة، ليس أبلغها سوى “تصفية” بوخارين نفسه والتهوين من شأن هذه “التصفية” في معسكر الاشتراكية وفي معسكر الفكر.
وفي مواجهة هذه الاتباعية التي تعيث فساداً في جميع المجالات، باستثناء مجالات التفننات الإرهابية حيث يجد هؤلاء السادة لذة دائماً في التجديد، لا يمكن أن توضع، تحديداً، غير القوى الأكثر عرضة للتحقير من جانبها: أحلام إيكاروس، روح التوقع المحمومة لدى ليوناردو، استبصارات الاشتراكيين الطوباويين، رؤى بول لافارج السخية والتي تتخللها الدعابة! إن “الاشتراكية العلمية” تتردى بحيث تكف عن أن تكون بالنسبة إلى اتباعها شيئاً أكثر من أداءٍ طنان لتسميع المحفوظات. وهناك حاجة ماسة إلى إشباع البيئة والفكرة الاجتماعيتين بالهواء، إذا كان يراد توفير مستقبل للإنسان لا يكون جافاً مقدماً ولا يدمر لحساب ضوابط غير مبررة حقه في المجادلة المستمرة.
وضد اجتماع الاتباعية والرعب المقيت، ضد ديكتاتورية “الوسائل” التي لا تتذكر الغايات التي تتذرع بها، تستطيع جوكندة اليوتوبيا، لا أن تفوز، بل أن ترسل من جديد ابتسامتها وتهب الناس الشرارة البروميثيوسية التي يتعرفون فيها على حريتهم المستعادة.
إن الزمن ليس غير زمن الإعلاء مرة أخرى من شأن الأحلام المستحيلة…

القاهرة، السابع عشر من أغسطس 1945

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s